القيء عند الأطفال… متى يكون عابراً ومتى نخشى الجفاف؟
القيء من الأعراض الشائعة لدى الأطفال، وغالباً ما يثير قلقاً سريعاً داخل الأسرة، خصوصاً عندما يتكرر أو يصيب رضيعاً صغيراً. لكن الخطر لا يرتبط دائماً بالقيء نفسه، بل بما قد يترتب عنه من فقدان للسوائل، خاصة إذا أصبح الطفل غير قادر على الشرب أو الاحتفاظ بما يتناوله.
ويشير أطباء الأطفال إلى أن القيء قد يرافق التهابات فيروسية في الجهاز الهضمي أو حالات مرضية أخرى، كما يمكن أن يظهر بشكل عابر ثم يختفي خلال ساعات. ولهذا لا يكفي عدد مرات القيء وحده للحكم على خطورة الوضع، بل ينبغي النظر إلى الحالة العامة للطفل ومدى قدرته على شرب السوائل واستمرار التبول بشكل طبيعي.
فالطفل الذي يتقيأ ثم يعود إلى الشرب تدريجياً، ويبقى متفاعلاً مع محيطه ويتبول بصورة قريبة من المعتاد، لا يشبه طفلاً يرفض السوائل أو يتقيأ كل ما يشربه ويبدو خاملاً أو مرهقاً بشكل واضح. هنا يبدأ القلق الحقيقي، لأن الأطفال الصغار، وخصوصاً الرضع، يمكن أن يفقدوا السوائل بسرعة أكبر من البالغين.
ومن العلامات التي قد تشير إلى بداية الجفاف جفاف الفم واللسان، وقلة التبول، وبقاء الحفاض جافاً لساعات طويلة، وغياب الدموع عند البكاء، إضافة إلى الخمول أو التهيج غير المعتاد. كما قد تبدو العينان غائرتين لدى بعض الأطفال، وهي كلها مؤشرات تستدعي انتباهاً أكبر.
وعندما يتكرر القيء، يصبح تعويض السوائل أولوية أساسية. وينصح المختصون عادة بتقديم كميات صغيرة ومتكررة من السوائل بدلاً من إعطاء كمية كبيرة دفعة واحدة، لأن ذلك قد يزيد احتمال القيء. كما يمكن استخدام محاليل الإماهة الفموية المخصصة للأطفال، خاصة عندما يكون القيء مصحوباً بالإسهال.
أما الطعام، فلا ينبغي أن يتحول إلى مصدر ضغط إضافي على الطفل. فالأولوية خلال الساعات الأولى تبقى للحفاظ على الترطيب، بينما يمكن العودة تدريجياً إلى التغذية المعتادة عندما تتحسن الحالة ويستعيد الطفل قدرته على الأكل دون قيء متكرر.
في المقابل، يحذر الأطباء من الاستخدام العشوائي للأدوية المضادة للقيء من دون استشارة طبية، لأن الحاجة إليها تختلف حسب عمر الطفل وسبب القيء وحالته الصحية، كما أن بعض الأدوية قد لا تكون مناسبة للأطفال الصغار.
وهناك حالات لا ينبغي فيها انتظار تحسن الطفل في المنزل، خاصة إذا ظهر دم في القيء، أو تحول لونه إلى الأخضر، أو ترافق مع ألم شديد ومستمر في البطن، أو انتفاخ واضح، أو صعوبة في إيقاظ الطفل. كما يستدعي الوضع تقييماً طبياً إذا لم يعد الطفل قادراً على الاحتفاظ بأي سوائل أو ظهرت عليه علامات واضحة للجفاف.
ويحتاج الرضع إلى حذر أكبر، لأن فقدان السوائل لديهم قد يصبح مؤثراً خلال وقت أقصر. كما أن القيء المتكرر أو القوي خلال الأشهر الأولى من العمر قد تكون له أسباب مختلفة عن تلك التي تظهر لدى الأطفال الأكبر سناً، وهو ما يجعل استشارة الطبيب أكثر أهمية عندما يبدو القيء غير معتاد.
وفي النهاية، ليس كل قيء عند الطفل علامة على مرض خطير، لكن ما ينبغي مراقبته ليس عدد المرات فقط، بل قدرة الطفل على الشرب، واستمرار التبول، ومستوى نشاطه، وطريقة تفاعله مع محيطه. فعندما تبدأ هذه المؤشرات في التغير، يصبح خطر الجفاف أهم من القيء نفسه، وهنا تكون المشورة الطبية ضرورية.
فاطمة الزهراء عاشور