داء الكلب… مرض قاتل تبدأ الوقاية منه من اللحظة الأولى بعد العضة
قد تبدأ الإصابة بداء الكلب بعضة تبدو بسيطة أو بخدش لا يثير الكثير من القلق، لكن الخطر الحقيقي يكمن في التأخر عن التعامل معها طبيا. فهذا المرض الفيروسي، الذي يصيب الجهاز العصبي، يعد من أخطر الأمراض المعدية بمجرد ظهور أعراضه، في حين يمكن الوقاية منه بفعالية إذا بدأ التكفل في الوقت المناسب. ولهذا يعيد اليوم العالمي لمكافحة داء الكلب، الموافق لـ28 سبتمبر، التذكير سنويا بأن مواجهة هذا المرض لا تبدأ عند ظهور الأعراض، بل منذ اللحظة الأولى التي يتعرض فيها الإنسان لعض أو خدش من حيوان يحتمل أن يكون ناقلا للفيروس.
ويحيي العالم نسخة 2026 من هذه المناسبة تحت شعار «معا أقوى»، في رسالة تضع التعاون بين القطاعات في قلب جهود المكافحة. فالحد من الوفيات المرتبطة بداء الكلب لا يعتمد على القطاع الصحي وحده، بل يتطلب تنسيقا بين الصحة البشرية والبيطرة والجماعات المحلية والهيئات المعنية بالبيئة، إلى جانب رفع وعي المواطنين بكيفية التصرف بعد التعرض للعض أو الخدش. وفي الجزائر، تتواصل الحملة الوطنية تحت شعار «معا للقضاء على داء الكلب بحلول عام 2030»، وهو هدف ينسجم مع المقاربة الدولية القائمة على مفهوم «الصحة الواحدة» الذي يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
ولا يزال داء الكلب، رغم توفر وسائل فعالة للوقاية منه، مسؤولا عن عشرات الآلاف من الوفيات البشرية سنويا في عدد من مناطق العالم. وترتبط الغالبية الكبرى من الإصابات البشرية بعضات الكلاب، غير أن العدوى قد تنتقل أيضا عن طريق حيوانات أخرى، بينها القطط وبعض الثدييات البرية. ويكون الفيروس موجودا في لعاب الحيوان المصاب، ويمكن أن ينتقل عبر العضة أو الخدش الملوث باللعاب أو عند وصول اللعاب إلى جرح مفتوح أو إلى الأغشية المخاطية.
وتكمن خصوصية هذا المرض في أن هامش التدخل الفعال يوجد قبل ظهور الأعراض. لذلك يشدد المختصون على ضرورة غسل موضع العضة أو الخدش جيدا بالماء والصابون، ثم التوجه في أسرع وقت ممكن إلى مؤسسة صحية لتقييم مستوى الخطر وتحديد الحاجة إلى التلقيح أو إلى تدابير وقائية إضافية. ولا ينبغي أن يرتبط القرار بحجم الجرح أو بكون الحيوان معروفا من عدمه، لأن بعض الإصابات التي تبدو سطحية قد تستدعي بدورها تقييما طبيا سريعا.
وفي هذا السياق، يساهم معهد باستور بالجزائر في تشخيص داء الكلب عبر مخابره، كما يتوفر على مركز للتلقيح المضاد للداء على مستوى ملحقته بالحامة في الجزائر العاصمة، حيث تتم معاينة الأشخاص الذين تعرضوا لعض أو خدش أو لاتصال يشتبه في أنه قد ينقل العدوى. ويكتسي هذا النوع من التكفل أهمية خاصة لأن الوقاية بعد التعرض، إذا تمت في الوقت المناسب ووفق البروتوكولات المعتمدة، تستطيع منع تطور المرض قبل أن يصل إلى مرحلته الأخطر.
غير أن تقليص خطر داء الكلب لا يمر فقط عبر التكفل بالإنسان بعد الحادثة، بل يبدأ أيضا من الحد من مصدر العدوى نفسه. فتلقيح الحيوانات الأليفة، ومراقبة الحيوانات غير المملوكة، وتحسين المتابعة البيطرية، كلها إجراءات أساسية في أي استراتيجية فعالة. كما أن التوعية تلعب دورا مهما، خصوصا لدى الأطفال الذين قد يقتربون من الحيوانات أو يتعرضون لخدوش وعضات ثم لا يخبرون أسرهم بها على الفور.
ولهذا فإن شعار «معا أقوى» لا ينبغي أن يبقى مجرد عنوان مرتبط بمناسبة سنوية، بل يعكس طبيعة المعركة ضد مرض لا يمكن القضاء عليه من خلال تدخل قطاع واحد. فكل حلقة، من التلقيح البيطري إلى المراقبة الصحية ومن سرعة التكفل إلى التوعية المدرسية والإعلامية، تؤثر مباشرة في القدرة على منع الوفيات.
وبين هدف القضاء على الوفيات المرتبطة بداء الكلب بحلول عام 2030 والواقع الميداني، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل الوقاية من توصيات موسمية إلى ممارسة دائمة. فالمرض معروف، وطرق انتقاله معروفة، ووسائل الوقاية منه موجودة، لكن نجاح المكافحة يتوقف في النهاية على سرعة التصرف بعد التعرض، وعلى مدى فعالية التنسيق بين القطاعات، وعلى قدرة التوعية على جعل أي عضة أو خدش سببا للتصرف السريع لا للاستهانة.
مريم عزون