الصناعة الصيدلانية تدخل قلب التكوين الجامعي: دكتوراه وطنية بتخصصات مرتبطة مباشرة بالإنتاج والتكنولوجيا الصحية
لم تعد الجامعة الجزائرية تكتفي بتكوين الصيادلة والباحثين في المسارات التقليدية. فمع فتح مسابقة وطنية جديدة للدكتوراه في العلوم الصيدلانية والبيوتكنولوجيا والابتكار العلاجي للسنة الجامعية 2026-2027، يتجه التكوين في الطور الثالث نحو تخصصات أكثر ارتباطاً بالصناعة، والإنتاج، والتجهيزات الطبية، في محاولة للاقتراب من الحاجات الفعلية لقطاع صحي وصيدلاني يعرف تحولات متسارعة.
وتكشف الوثائق الصادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن إشراك عدة مؤسسات جامعية في هذه المدرسة الوطنية للدكتوراه، من بينها جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا، جامعة علوم الصحة بالجزائر، إلى جانب جامعات البليدة 1 وتيزي وزو وبجاية والمدية. ويعكس هذا التوزيع رغبة في تجميع الطاقات الأكاديمية والبحثية حول مجالات لم تعد هامشية، خاصة مع توسع الصناعة الصيدلانية محلياً وتزايد الحاجة إلى كفاءات متخصصة في التكنولوجيا الصحية.
وفي جامعة علوم الصحة بالجزائر، تم تخصيص ستة مقاعد بيداغوجية ضمن شعبة الصيدلة الصناعية، موزعة على ثلاثة تخصصات بمقعدين لكل تخصص. ويتعلق الأمر بعلم التجميل والصيدلة الجلدية، والإنتاج في الصناعة الصيدلانية، والمستلزمات الطبية في الصناعة الصيدلانية، وهي مجالات ترتبط بشكل مباشر بسلسلة الإنتاج الصيدلاني، من تطوير المنتجات إلى التصنيع، وصولاً إلى التجهيزات الطبية.
ويحمل هذا الاختيار دلالة مهمة من زاوية سوق العمل والبحث التطبيقي. فالصناعة الصيدلانية لم تعد تحتاج فقط إلى صيادلة يملكون معرفة دوائية، بل إلى باحثين قادرين على التعامل مع قضايا الإنتاج، الجودة، الابتكار، المواد الطبية، والتطوير التكنولوجي. وهنا تبرز أهمية هذا النوع من التكوين، إذا نجح فعلاً في بناء جسور بين مخابر الجامعة والمؤسسات الصناعية والمستشفيات ومشاريع الابتكار.
أما من حيث الرزنامة، فقد حددت الوزارة مساراً رقمياً كاملاً عبر منصة PROGRES. وتنطلق عملية إيداع ملفات الترشح وتأكيد الاختيارات من 1 إلى 10 أكتوبر 2026، ثم تخضع الملفات لمراقبة المطابقة على مستوى المؤسسات الجامعية من 11 إلى 20 أكتوبر، قبل أن تتولى لجان التكوين في الدكتوراه دراسة الترشيحات بين 21 و25 أكتوبر.
ويُعلن عن القائمة الأولية للمترشحين المقبولين لاجتياز المسابقة يوم 26 أكتوبر، على أن يفتح باب الطعون يومي 27 و28 أكتوبر. وبعد دراسة الطعون بين 29 أكتوبر و1 نوفمبر، تُنشر القائمة النهائية للمترشحين المقبولين لاجتياز المسابقة يوم 2 نوفمبر.
وتُجرى مسابقات الالتحاق بالطور الثالث خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 12 نوفمبر 2026، فيما تنشر النتائج النهائية بعد مصادقة الهيئات العلمية المختصة عليها في أجل أقصاه خمسة أيام من تاريخ إجراء المسابقة. كما يُطلب من الناجحين إتمام التسجيل عبر منصة PROGRES خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ الإعلان الرسمي عن النتائج.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المدرسة الوطنية للدكتوراه لن تقاس فقط بعدد المقاعد المفتوحة أو بعدد المترشحين، بل بنوعية الأبحاث التي ستنتج عنها، ومدى قدرتها على الاستجابة لمشكلات واقعية في الصناعة والصحة. فالتحدي لم يعد في تكوين باحثين إضافيين فحسب، بل في توجيه البحث الجامعي نحو مجالات يمكن أن تتحول فيها المعرفة إلى منتج، أو تقنية، أو حل طبي، أو قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه المسابقة باعتبارها مؤشراً على انتقال تدريجي من دكتوراه ذات طابع أكاديمي صرف إلى تكوين أكثر ارتباطاً بالتصنيع والابتكار. نجاح هذا المسار سيبقى رهيناً بمدى قدرة المؤسسات الجامعية على توفير التأطير، والمخابر، والشراكات، والبيئة البحثية التي تسمح للطالب بأن ينتقل من إنجاز أطروحة إلى إنتاج معرفة قابلة للتطبيق.
مريم عزون