الضغط المدرسي عند الأطفال.. حين تتحول الدراسة إلى عبء نفسي
مع بداية السنة الدراسية، ينشغل كثير من الأولياء بالكتب والبرامج والنتائج، بينما قد تمر مشكلة أخرى بصمت داخل البيت: الضغط النفسي المرتبط بالمدرسة. فالطفل أو المراهق لا يترك بالضرورة توتره داخل القسم، بل قد يحمله معه إلى المنزل في صورة عصبية، أرق، صداع، آلام في البطن أو حتى رفض للذهاب إلى المدرسة.
ويشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن التلاميذ يواجهون اليوم ضغوطا متداخلة، تجمع بين الواجبات والامتحانات والأنشطة والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى المقارنة المستمرة مع الآخرين عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وهي عوامل قد تجعل المدرسة بالنسبة إلى بعض الأطفال مصدرا للضغط المتواصل بدل أن تكون مجرد فضاء للتعلم.
ولا يعني الشعور بالقلق قبل اختبار أو موعد دراسي وجود مشكلة نفسية بالضرورة. فدرجة محدودة من التوتر يمكن أن تكون محفزة، لكن الأمر يصبح مختلفا عندما يستمر الضغط فترة طويلة أو يبدأ في التأثير على النوم والمزاج والسلوك والصحة الجسدية. وهنا يصبح الانتباه إلى التغيرات اليومية في حياة الطفل أكثر أهمية من التركيز على العلامات المدرسية وحدها.
ومن العلامات التي تستحق الانتباه، بحسب المختصين، تزايد البكاء أو الانفعال، الانسحاب من الأنشطة التي كان الطفل يستمتع بها، القلق المفرط، الحاجة المستمرة إلى الطمأنة، اضطرابات النوم أو الأكل، فضلا عن تكرار الشكوى من الصداع أو آلام المعدة. وقد يظهر الضغط أيضا في صورة تسويف شديد أو سعي مفرط إلى الكمال والخوف من الخطأ.
ومن الخطأ ربط الضغط المدرسي دائما بتراجع النتائج. فبعض التلاميذ يستطيعون الحفاظ على درجات مرتفعة رغم معاناتهم من توتر كبير، ما يجعل النجاح الظاهري أحيانا يخفي إرهاقا نفسيا لا يراه المحيط بسهولة. كما يمكن أن يظهر الضغط في صورة التغيب المتكرر أو طلب البقاء في المنزل أو تقديم شكاوى جسدية متكررة لتجنب الذهاب إلى المدرسة.
ويرى مختصون أن مساعدة الطفل على تنظيم مهامه أكثر فاعلية من الاكتفاء بمطالبته بأن يهدأ أو يتوقف عن القلق. ويمكن تقسيم الأعمال إلى أولويات، وتحديد ما يجب إنجازه فورا وما يمكن تأجيله، بما يقلل الشعور بأن كل شيء عاجل في الوقت نفسه ويساعد الطفل تدريجيا على اكتساب مهارات أفضل في إدارة الوقت.
كما يبقى الحفاظ على روتين يومي متوازن عاملا مهما، خاصة من خلال النوم الكافي، والنشاط البدني، ووجود وقت للراحة والجلوس مع الأسرة. وفي المقابل، لا يشكل الاستخدام المطول لشبكات التواصل الاجتماعي دائما وسيلة حقيقية للاسترخاء، إذ قد يزيد لدى بعض المراهقين مشاعر المقارنة والضغط.
ويلعب الأولياء بدورهم دورا أساسيا في طريقة تعامل الطفل مع التوتر. فالأطفال يلتقطون كثيرا من الإشارات الانفعالية من الكبار المحيطين بهم، لذلك فإن تحويل كل نتيجة مدرسية أو امتحان إلى أزمة قد يزيد الضغط بدل تخفيفه. كما أن الاستماع إلى الطفل ومنحه مساحة للتعبير عن مخاوفه دون التقليل منها أو تضخيمها يمكن أن يساعد على اكتشاف المشكلة مبكرا.
وتستدعي بعض الحالات اللجوء إلى مختص، خصوصا عندما تصبح التغيرات في المزاج والسلوك واضحة ومستمرة، أو عندما يصل الأمر إلى عزلة شديدة، أو رفض متكرر للمدرسة، أو تدهور ملحوظ في الحياة اليومية.
فالمدرسة بطبيعتها تفرض قدرا من التحدي والضغط، ولا يمكن إزالة كل مصادر التوتر من حياة التلميذ. لكن الفارق يبقى بين ضغط مؤقت يستطيع الطفل التكيف معه، وضغط مزمن يبدأ تدريجيا في استنزاف قدرته على التعلم والراحة والاستمتاع بحياته اليومية.
فاطمة الزهراء عاشور