تقلبات المزاج.. متى تكون عابرة ومتى تستحق الانتباه؟

قد يبدأ اليوم بهدوء وينتهي بتوتر، وقد يتحول الحماس خلال ساعات إلى ضيق أو فتور. هذا النوع من التغيرات يمر به كثيرون، لكن المتخصصين في الصحة النفسية يشيرون إلى أن تكراره بشكل حاد أو تأثيره في النوم والعمل والعلاقات قد يستدعي البحث عن أسباب أعمق.

ليس كل تغير في المزاج علامة على اضطراب نفسي. فبحسب متخصصين في الصحة النفسية، تتأثر الحالة المزاجية بعوامل يومية كثيرة، من بينها الضغط والإرهاق وقلة النوم والجوع والمشكلات المهنية أو العائلية. ولذلك قد يكون الشعور بالعصبية أو الحزن أو التوتر في بعض الأيام مجرد استجابة مؤقتة لما يمر به الشخص.

لكن الأمر يصبح أكثر أهمية عندما تكون التقلبات شديدة أو متكررة أو غير معتادة. ويشير أطباء ومتخصصون إلى أن صعوبة التركيز، واضطراب النوم، والتغير المفاجئ في مستوى الطاقة أو الشهية، وفقدان الاهتمام ببعض الأنشطة، قد ترافق أحيانا تقلبات مزاجية أكثر وضوحا. ولا تعني هذه العلامات، بمفردها، وجود مرض محدد، لكنها قد تستحق الانتباه عندما تستمر أو تؤثر في الحياة اليومية.

ومن بين العوامل التي تتكرر كثيرا في التفسيرات الطبية قلة النوم. وتوضح كليفلاند كلينك أن الحرمان من النوم أو اضطرابه قد يجعل معالجة المشاعر أكثر صعوبة ويزيد من قابلية الشخص للتهيج وتقلب المزاج. كما تشير المصادر الطبية إلى أن الإفراط في المنبهات وبعض المواد المؤثرة في الجهاز العصبي يمكن أن ينعكس بدوره على الحالة المزاجية.

غير أن تقلب المزاج لا يرتبط دائما بالحالة النفسية وحدها. فبحسب كليفلاند كلينك، يمكن لبعض الحالات العضوية، مثل اضطرابات الغدة الدرقية واضطراب مستوى السكر في الدم وبعض الأمراض العصبية، أن تؤثر في المزاج. كما أن بعض الأدوية قد تكون مصحوبة بتغيرات مزاجية لدى بعض المرضى.

وتبرز التغيرات الهرمونية أيضا ضمن الأسباب المعروفة طبيا. فالمتخصصون يشيرون إلى أن تقلبات المزاج قد تظهر خلال فترات مثل ما قبل الدورة الشهرية، والحمل، وما بعد الولادة، والمرحلة الانتقالية نحو سن اليأس. وفي معظم الحالات لا يعني ذلك وجود مرض، لكن شدة الأعراض ومدى تأثيرها في الحياة اليومية تظلان عاملين مهمين في تحديد الحاجة إلى استشارة طبية.

أما على مستوى الصحة النفسية، فتشير المراجع الطبية إلى أن تقلبات المزاج قد تظهر ضمن اضطرابات مختلفة، من بينها الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب واضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة. لكن المتخصصين يحذرون من التشخيص الذاتي، لأن مجرد الانتقال من الفرح إلى الحزن خلال يوم واحد لا يكفي للقول بوجود اضطراب نفسي.

وفي حالة الاضطراب ثنائي القطب، على سبيل المثال، يتعلق الأمر بنوبات واضحة من تغير المزاج والطاقة والسلوك قد تستمر فترات أطول وتؤثر بوضوح في الأداء اليومي. لذلك فإن التشخيص لا يعتمد على عرض واحد، بل على مجموعة من الأعراض وتطورها مع الوقت.

ويؤكد الأطباء أن ما يستحق الاهتمام فعلا هو نمط هذه التغيرات: متى بدأت؟ كم تستمر؟ هل ترتبط بقلة النوم أو ضغط معين؟ وهل أصبحت تؤثر في العمل أو الدراسة أو العلاقات؟ فهذه التفاصيل تساعد على التمييز بين رد فعل عابر على ظروف الحياة وبين مشكلة صحية تحتاج إلى تقييم.

وبحسب المتخصصين، يمكن في الحالات البسيطة أن يساعد تحسين النوم، والعودة إلى النشاط البدني، وتنظيم الوجبات، وتقليل الإفراط في المنبهات، على الحد من بعض التقلبات المرتبطة بنمط الحياة. أما إذا أصبحت التغيرات شديدة أو متكررة أو صاحبها اندفاع غير معتاد أو تغير واضح في السلوك، فمن الأفضل استشارة مختص لتحديد السبب.

وتشدد المصادر الطبية على ضرورة طلب مساعدة عاجلة إذا ترافق تغير المزاج مع أفكار عن إيذاء النفس أو الآخرين.

تقلب المزاج، في النهاية، ليس تشخيصا في حد ذاته. وقد يكون أحيانا مجرد انعكاس ليوم صعب أو فترة من الإرهاق، لكنه قد يتحول في حالات أخرى إلى مؤشر يستحق التوقف عنده، ليس بهدف القلق أو التشخيص الذاتي، بل لفهم السبب قبل أن يبدأ في التأثير في الحياة اليومية.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد