الصحة النفسية للشباب تحت الضغط… الأمم المتحدة تدعو إلى البحث عن الأسباب خارج العيادات

لم تعد الأزمات النفسية التي يواجهها الشباب تُقرأ فقط من زاوية المرض والعلاج. تقرير جديد للأمم المتحدة يدعو إلى تغيير أوسع في طريقة التعامل مع الصحة النفسية، يقوم على النظر إلى البيئة التي يعيش فيها الشاب قبل الاكتفاء بالسؤال عن قدرته على تحمل الضغوط أو التكيف معها.

ويأتي هذا الطرح في وقت يواجه فيه الشباب عبر العالم سلسلة متداخلة من الضغوط، تبدأ بصعوبة الحصول على عمل مستقر وسكن مناسب، ولا تنتهي عند النزاعات والتغيرات المناخية والعزلة الاجتماعية والضغوط المتزايدة داخل الفضاء الرقمي. وهي عوامل قد تبدو منفصلة عن الصحة النفسية، لكنها، بحسب التقرير، تلعب دورا مباشرا في تشكيل الشعور بالأمان والاستقرار والانتماء.

وتشير المعطيات التي يستند إليها التقرير إلى أن الاضطرابات النفسية تصيب نسبة معتبرة من المراهقين، فيما تبدأ نسبة كبيرة منها في الظهور قبل بلوغ سن الرابعة والعشرين. كما يظل الانتحار من بين الأسباب الرئيسية للوفاة لدى فئات شابة في العالم، في وقت لا تزال فيه خدمات الدعم والعلاج النفسي بعيدة عن متناول أعداد كبيرة، خصوصا في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل والمناطق التي تعاني النزاعات والأزمات.

غير أن الجديد في التقرير لا يكمن في إعادة التذكير بهذه الأرقام بقدر ما يتمثل في الدعوة إلى تغيير طريقة قراءة المشكلة. فالشاب الذي يعيش بطالة طويلة، أو يعاني انعدام الاستقرار السكني، أو يتعرض للتنمر والعنف والعزلة، لا يمكن اختزال معاناته في اضطراب فردي منفصل عن محيطه.

ومن هنا تطرح الأمم المتحدة ما تسميه «المقاربة القائمة على النظام البيئي»، وهي رؤية تعتبر أن الصحة النفسية تُبنى أو تتضرر داخل مجموعة واسعة من الفضاءات: الأسرة، المدرسة، الجامعة، العمل، الحي، المجتمع، الإنترنت، وحتى طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية العلاج النفسي أو الرعاية الطبية المتخصصة، بل الاعتراف بأن العلاج وحده لا يستطيع إزالة الأسباب التي تعيد إنتاج الضغوط نفسها. فالاستشارة النفسية قد تساعد الفرد على التعامل مع الأزمة، لكنها لن توفر له وظيفة، ولن تضع حدا للتنمر، ولن تحل مشكلة السكن أو العنف أو التهميش الاجتماعي.

ولهذا يدعو التقرير إلى إدماج الصحة النفسية في سياسات لا تُصنف عادة ضمن القطاع الصحي، مثل التعليم والتشغيل والسكن والحماية الاجتماعية والرياضة والثقافة وتنظيم البيئة الرقمية. وتقوم الفكرة على أن الوقاية من الاضطرابات النفسية تبدأ أحيانا من قرارات اجتماعية واقتصادية سليمة قبل أن تصل إلى الطبيب أو الأخصائي النفسي.

كما يمنح التقرير أهمية خاصة لمشاركة الشباب أنفسهم في تصميم البرامج والسياسات الموجهة إليهم. فبدلا من التعامل معهم باعتبارهم مجرد متلقين للخدمات، يدعو إلى إشراكهم في تحديد مصادر الضغط داخل مجتمعاتهم واقتراح الحلول التي تتناسب مع واقعهم.

وبهذه المقاربة، يتحول النقاش من سؤال يوجه إلى الشاب وحده: «كيف تتعامل مع الضغط؟» إلى سؤال أوسع يطرح على المجتمع ومؤسساته: ما الذي يصنع هذا الضغط أصلا، وما الذي يمكن تغييره قبل أن يتحول إلى أزمة نفسية؟

فالرسالة الأساسية التي يوجهها التقرير واضحة: حماية الصحة النفسية للشباب لا تبدأ عند باب العيادة فقط، بل تبدأ أيضا من مدرسة آمنة، وفرصة عمل مستقرة، وسكن لائق، وعلاقات اجتماعية داعمة، وفضاء رقمي أقل إيذاء، ومجتمع يمنح الشباب شعورا حقيقيا بالمشاركة والمستقبل.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد