حين لا تبرد الليالي.. الحرارة المرتفعة تهدد النوم والصحة
لا تتوقف المخاطر الصحية لموجات الحر عند ساعات النهار. فبقاء درجات الحرارة مرتفعة ليلا يحرم الجسم من فترة ضرورية للتعافي والتخلص من الحرارة المتراكمة، ويؤثر في مدة النوم وجودته، فيما تشير أبحاث متزايدة إلى ارتباط الليالي شديدة الحرارة بارتفاع مخاطر صحية، خصوصا لدى كبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
عندما تنخفض درجات الحرارة بعد غروب الشمس، يستفيد الجسم عادة من برودة الليل لاستعادة توازنه الحراري والاستعداد للنوم. لكن هذه الآلية تصبح أقل فعالية عندما يظل الجو حارا حتى ساعات الفجر، وهو ما قد يؤدي إلى نوم أقصر وأكثر تقطعا، ويزيد العبء الذي تفرضه موجات الحر المتتالية على الجسم.
وتلفت أبحاث حديثة إلى أن التركيز على درجات الحرارة القصوى المسجلة نهارا لا يكفي وحده لفهم التأثير الصحي الكامل للحر. فاستمرار الحرارة أثناء الليل يعني أن الجسم لا يحصل على فترة كافية للراحة بعد التعرض لحرارة النهار، خصوصا عندما تمتد الموجة الحارة لعدة أيام متتالية.
ويبدو النوم من أولى الوظائف التي تتأثر. فالحرارة المرتفعة تجعل من الصعب الوصول إلى الظروف الجسدية المناسبة للنوم، وقد تؤدي إلى تأخره والاستيقاظ المتكرر أثناء الليل. وتشير تحليلات حديثة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة الليلية تسبب خلال السنوات الأخيرة في خسارة عشرات الساعات من النوم سنويا لدى السكان في مناطق واسعة من العالم، مع مساهمة متزايدة للاحترار المناخي في هذه الظاهرة.
ولا تقتصر المشكلة على الشعور بالتعب في اليوم التالي. فالنوم المنتظم والكافي ضروري لعمل الجهاز العصبي، وتنظيم المناعة والاستقلاب، والحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية. وعندما يصبح نقص النوم متكررا، قد ينعكس على التركيز والمزاج والأداء اليومي، بينما يضيف الحر المستمر عبئا إضافيا على الجسم الذي يحاول الحفاظ على درجة حرارته الداخلية ضمن الحدود الطبيعية.
كما تشير دراسات وبائية إلى أن حرارة الليل قد ترتبط بارتفاع حالات الدخول إلى المستشفى والوفيات، بصورة قد لا تفسرها حرارة النهار وحدها. وتبدو الفئات الأكبر سنا أكثر عرضة للخطر، إلى جانب الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة وسكان المساكن سيئة التهوية أو الذين لا تتوفر لديهم وسائل فعالة للتبريد.
وتزداد المشكلة داخل المدن بسبب ما يعرف بـ«الجزيرة الحرارية الحضرية». فالطرق والمباني والأسطح الإسمنتية تمتص الحرارة خلال النهار ثم تطلقها ببطء بعد الغروب، ما يجعل بعض الأحياء تحتفظ بدرجات حرارة مرتفعة حتى ساعات متأخرة من الليل. ويعني ذلك أن سكان المدن، وخصوصا في الأحياء المكتظة، قد يتعرضون لحرارة متواصلة على مدار اليوم من دون فترة كافية للتعافي.
ويثير هذا الواقع مسألة التفاوت الاجتماعي أيضا. فالوصول إلى أجهزة التكييف أو المساكن جيدة العزل والتهوية ليس متاحا للجميع، كما أن ارتفاع كلفة الكهرباء قد يحد من قدرة بعض الأسر على استخدام وسائل التبريد خلال الليل. لذلك لا تتوزع آثار الحرارة بالتساوي، وقد تكون أشد لدى الفئات ذات الدخل المحدود أو الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، خاصة من كبار السن.
ويرى الباحثون أن مواجهة المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على استخدام أجهزة التكييف، بل تتطلب أيضا تحسين تصميم المدن والمباني، وزيادة المساحات الخضراء والتظليل، وتطوير التهوية، والحد من تراكم الحرارة في الأحياء السكنية. كما يبرز اتجاه متزايد إلى إدراج درجات الحرارة الليلية ضمن أنظمة الإنذار الصحي الخاصة بموجات الحر، بدلا من الاعتماد فقط على أعلى درجة حرارة مسجلة خلال النهار.
ومع تزايد تواتر موجات الحر وشدتها، بات واضحا أن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الحرارة ظهرا، بل أيضا في عدم انخفاضها بعد الغروب. فالليلة الحارة قد تبدو مجرد سبب للأرق، لكنها عندما تتكرر تمنع الجسم من استعادة توازنه وتزيد الضغط على أكثر الفئات هشاشة، ما يجعل برودة الليل نفسها عاملا مهما في حماية الصحة خلال فترات الحر الشديد.
فاطمة الزهراء عاشور