45 دقيقة في الحديقة… دراسة ترصد متى يبدأ أثر الطبيعة في الظهور على المزاج

قد تبدو زيارة الحديقة العامة نشاطاً بسيطاً وعابراً، لكن دراسة علمية حديثة تشير إلى أن مدة البقاء وسط المساحات الخضراء قد تكون عاملاً مهماً في حجم الأثر النفسي الذي يخرج به الزائر. ووفق النتائج، فإن الفارق يبدأ في الظهور بصورة أوضح عندما تتجاوز الزيارة نحو 45 دقيقة.

الدراسة، المنشورة في مجلة Environment and Behavior، اعتمدت على تحليل أكثر من ألفي استبيان جُمعت من زوار مساحات خضراء، بهدف فهم العلاقة بين مدة الزيارة من جهة، والمشاعر الإيجابية وتقييم المكان من جهة أخرى.

وأظهرت النتائج أن الزيارات التي تجاوزت 45 دقيقة ارتبطت بمستويات أعلى من المشاعر الإيجابية مقارنة بالزيارات الأقصر، فيما بدت الفترة الواقعة بين 46 و60 دقيقة من بين الفترات التي سجلت أفضل المؤشرات المتعلقة بالارتياح النفسي وتفضيل المكان والشعور الإيجابي أثناء الزيارة.

غير أن الباحثين لا يقدمون الرقم باعتباره وصفة ثابتة أو مدة سحرية تصلح للجميع. فالنتائج تكشف أيضاً أن نوعية المكان نفسه تلعب دوراً مهماً، إذ لا يكفي أن يكون الموقع أخضر حتى يحقق الأثر ذاته لدى الزوار.

ففي الزيارات القصيرة، ارتبطت المشاعر الإيجابية بعوامل مثل تنوع المشهد، وسهولة التنقل داخل المكان، ووضوح المسارات، ووجود عناصر طبيعية تساعد على الإحساس بالابتعاد عن صخب المدينة. أما مع زيادة مدة البقاء، فيبدو أن قدرة المكان على توفير الهدوء والاسترخاء تصبح أكثر أهمية.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن الإحساس بالأمان داخل الحديقة ليس تفصيلاً ثانوياً. فالشعور بالخطر أو بعدم الارتياح ارتبط بارتفاع المشاعر السلبية، ما يعني أن تصميم المساحات الخضراء، والإنارة، ووضوح الرؤية والمسارات، قد تؤثر مباشرة في جودة التجربة النفسية للزائر.

لكن النتائج تبقى في حدود العلاقة الإحصائية، ولا تثبت أن قضاء 45 دقيقة في الحديقة يؤدي تلقائياً إلى تحسن المزاج. فالدراسة ميدانية وقائمة على الملاحظة والاستبيانات، وبالتالي لا يمكن استبعاد تأثير عوامل أخرى مثل الحالة النفسية السابقة للزائر، أو سبب خروجه إلى الحديقة، أو النشاط الذي يمارسه أثناء وجوده فيها.

ومع ذلك، تضيف الدراسة تفصيلاً مهماً إلى ما هو معروف عن العلاقة بين الطبيعة والصحة النفسية. فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت المساحات الخضراء مفيدة، بل أيضاً ما إذا كانت مدة البقاء فيها وجودة تصميمها تحددان حجم الاستفادة منها.

وبالنسبة لسكان المدن، لا تعني النتائج ضرورة احتساب الدقائق عند دخول الحديقة، بقدر ما تشير إلى أن الزيارة السريعة قد لا تمنح التجربة نفسها التي يوفرها وقت أطول يسمح فعلاً بالابتعاد عن الضوضاء والضغط والإيقاع المتسارع للحياة اليومية.

أما بالنسبة للمخططين الحضريين، فالدلالة ربما تكون أكثر أهمية. فالحدائق ليست مجرد مساحات تجميلية داخل المدينة، بل أماكن يمكن أن تؤدي دوراً في الراحة النفسية وجودة الحياة، شرط أن تكون آمنة، هادئة، قابلة للاستعمال ومصممة بطريقة تشجع الناس على البقاء فيها، لا على المرور بها فقط.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد