حين تصبح ممارسة الرياضة في المدينة مرتبطة أيضا بنوعية الهواء

ممارسة الرياضة في الهواء الطلق ترتبط عادة بصورة إيجابية: جري، مشي سريع أو ركوب للدراجة في الشوارع والحدائق. لكن في المدن المزدحمة، تدخل جودة الهواء في المعادلة، لأن الجهد البدني يدفع الجسم إلى التنفس بوتيرة أسرع وأعمق، ما يعني استنشاق كميات أكبر من الهواء، ومعه كميات أكبر من الملوثات عندما تكون مستويات التلوث مرتفعة.

هذا المعطى دفع عددا من الباحثين إلى الاهتمام ليس فقط بأثر التلوث على الصحة، بل أيضا بالطريقة التي يمكن أن يضاعف بها النشاط البدني حجم التعرض له. فالعداء أو راكب الدراجة يستنشق خلال التمرين كميات من الهواء تفوق ما يستنشقه شخص في حالة راحة، وهو ما يجعل الطريق المختار وتوقيت النشاط وشدته عوامل قادرة على تغيير حجم الجرعة المستنشقة من الملوثات.

وتظهر دراسات تناولت التلوث المرتبط بحركة المرور أن الفارق بين الجري بمحاذاة محور مزدحم وبين اختيار شارع جانبي أو حديقة يمكن أن يكون مهما، لأن تركيز بعض الملوثات يكون أعلى قرب السيارات ومصادر الانبعاث المباشرة. ولا يعني ذلك أن الابتعاد ببضعة أمتار يلغي التلوث، لكنه قد يقلل مستوى التعرض مقارنة بالبقاء وسط حركة المرور الكثيفة.

أما توقيت النشاط، فلا يخضع لقاعدة واحدة تصلح لكل المدن وكل الفصول. فمستويات التلوث تتغير بحسب حركة المرور والرياح ودرجة الحرارة وطبيعة الملوثات، كما أن بعض الغازات والجسيمات تبلغ مستويات أعلى في أوقات مختلفة من اليوم. ولهذا أصبحت مؤشرات جودة الهواء أداة عملية تسمح بمعرفة ما إذا كانت الظروف أفضل أو أسوأ قبل الخروج لممارسة نشاط مكثف.

وتدخل شدة التمرين بدورها في الحساب. فكلما ارتفع الجهد، زادت حاجة الجسم إلى الهواء، وهو ما قد يرفع كمية الملوثات المستنشقة في البيئات الملوثة. وتكتسي هذه المسألة أهمية أكبر لدى المصابين بأمراض تنفسية أو قلبية، وكذلك لدى الأطفال وكبار السن، باعتبارهم من الفئات الأكثر حساسية لتأثيرات تلوث الهواء.

ومع ذلك، لا تقود هذه المعطيات إلى التشكيك في فوائد النشاط البدني، بل إلى إعادة النظر في الظروف التي يمارس فيها. فالأبحاث المتاحة تشير في العموم إلى أن فوائد الرياضة تبقى مهمة، لكن جودة الهواء تضيف عاملا جديدا لم يعد من السهل تجاهله، خصوصا في المدن التي أصبحت فيها حركة المرور والتلوث جزءا من الحياة اليومية.

وهكذا لم يعد السؤال مرتبطا فقط بمدة التمرين أو عدد الخطوات أو المسافة المقطوعة، بل أيضا بالمكان والوقت ونوعية الهواء الذي يدخل إلى الرئتين أثناء الحركة. وهي زاوية تجعل الحديث عن الرياضة في المدن أقرب إلى موضوع صحة عامة، وليس مجرد مسألة لياقة بدنية.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد