موجات الحر لا تحرق الأجساد فقط… بل تترك ندوبًا خفية في الصحة النفسية

لم تعد موجات الحر الشديد مجرد ظاهرة مناخية ترتبط بالإجهاد وضربات الشمس والجفاف، بل أصبحت تُصنف اليوم ضمن العوامل التي تهدد الصحة النفسية بشكل مباشر. ومع تزايد تواتر هذه الموجات وارتفاع شدتها بفعل التغير المناخي، يحذر أطباء النفس والأعصاب من أن الحرارة المرتفعة تؤثر في وظائف الدماغ، وتزيد من خطر القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وقد تدفع لدى بعض الأشخاص إلى سلوكيات عدوانية أو أزمات نفسية حادة.

ويؤكد خبراء الصحة في ألمانيا أن الدماغ، باعتباره أكثر أعضاء الجسم استهلاكًا للطاقة، يحتاج إلى درجة حرارة مستقرة ليؤدي وظائفه بكفاءة. وعندما ترتفع حرارة الجو، يبذل الجسم مجهودًا كبيرًا للحفاظ على توازنه الحراري، فيوجه جزءًا مهمًا من طاقته إلى التبريد عبر التعرق وزيادة تدفق الدم إلى الجلد، وهو ما يقلل من الموارد المتاحة للدماغ، فتظهر أعراض مثل ضعف التركيز، وبطء التفكير، وسرعة الانفعال، والإرهاق الذهني.

ولا يقتصر تأثير الحرارة على الأشخاص الأصحاء، بل يكون أكثر حدة لدى المصابين باضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب والقلق والفصام والاضطراب ثنائي القطب. فارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض، ويزيد من احتمال الحاجة إلى التدخل الطبي أو دخول المستشفى، خاصة خلال موجات الحر الطويلة التي تستمر عدة أيام.

ويشير مختصون في الطب النفسي إلى أن أحد أخطر آثار الحر يتمثل في اضطراب النوم. فالليالي الحارة تمنع الجسم من الوصول إلى درجة الحرارة اللازمة للنوم العميق، ما يؤدي إلى الأرق والاستيقاظ المتكرر، وهو ما ينعكس في اليوم التالي على المزاج والقدرة على ضبط الانفعالات واتخاذ القرارات.

وتكشف أبحاث دولية أن موجات الحر ترتبط أيضًا بارتفاع معدلات السلوك العدواني والعنف، كما رصدت دراسات زيادة في معدلات الانتحار خلال الفترات التي تشهد ارتفاعًا استثنائيًا في درجات الحرارة، وهو ما يعكس التأثير العميق للمناخ على الصحة النفسية والسلوك الإنساني.

ويحذر الأطباء كذلك من أن بعض الأدوية النفسية، مثل مضادات الذهان وبعض مضادات الاكتئاب، قد تقلل من قدرة الجسم على التخلص من الحرارة أو الإحساس بالعطش، مما يجعل المرضى أكثر عرضة للإجهاد الحراري ومضاعفاته.

ويؤكد الخبراء أن حماية الصحة النفسية خلال فصل الصيف لا تقل أهمية عن الوقاية من ضربات الشمس. ويُنصح بالإكثار من شرب الماء، وتجنب الخروج خلال ساعات الذروة، والحفاظ على برودة المنزل، وممارسة النشاط البدني في الصباح الباكر أو بعد غروب الشمس، مع طلب الاستشارة الطبية عند ملاحظة تغيرات غير معتادة في المزاج أو السلوك.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، يرى المختصون أن خطط التكيف مع التغير المناخي ينبغي ألا تقتصر على حماية القلب والرئتين، بل يجب أن تشمل أيضًا حماية الدماغ والصحة النفسية، باعتبارهما من أكثر الجوانب تأثرًا بالحرارة الشديدة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد