الجوز والدماغ.. غذاء واعد لكن بلا معجزات
بين الوعود الغذائية المتداولة على مواقع التواصل وما تثبته الدراسات فعلًا، يبرز الجوز كأحد الأطعمة التي تستقطب اهتمام الباحثين بسبب تركيبته الغنية بالدهون غير المشبعة والمركبات النباتية. وتشير بعض الأبحاث إلى تأثيرات محتملة على الانتباه والذاكرة، لكن الأدلة لا تزال بعيدة عن إثبات أنه قادر بمفرده على حماية الدماغ من التراجع المعرفي.
يُقدَّم الجوز في كثير من الأحيان باعتباره أحد أفضل الأغذية لصحة الدماغ، وهي صورة تستند أساسًا إلى تركيبته الغذائية المميزة. فهو يحتوي على أحماض دهنية غير مشبعة، بينها حمض ألفا لينولينيك من عائلة أوميغا ثلاثة، إلى جانب الألياف والبروتينات ومركبات نباتية ذات خصائص مضادة للأكسدة.
لكن السؤال الذي يحاول الباحثون الإجابة عنه يتجاوز القيمة الغذائية العامة: هل يمكن لتناول الجوز أن يترك أثرًا قابلًا للقياس على أداء الدماغ؟
دراسة أجراها باحثون من جامعة ريدينغ البريطانية حاولت اختبار هذا الاحتمال لدى مجموعة من الشباب الأصحاء. وقارن الباحثون أداء المشاركين بعد تناول وجبة إفطار تحتوي على خمسين غرامًا من الجوز بأدائهم بعد وجبة مماثلة في السعرات الحرارية لكنها خالية من المكسرات.
وخضع المشاركون بعد ذلك لاختبارات تقيس الذاكرة والانتباه والقدرة على تنفيذ مهام ذهنية متعددة، إلى جانب تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ وإجراء تحاليل للدم خلال الساعات التالية.
وأظهرت النتائج تحسنًا في سرعة الاستجابة في بعض الاختبارات المرتبطة بالوظائف التنفيذية، وهي القدرات التي يستخدمها الدماغ في التخطيط واتخاذ القرار والانتقال بين المهام. أما نتائج الذاكرة فلم تكن بالوضوح نفسه، إذ اختلفت بحسب توقيت الاختبار بعد تناول الوجبة.
وهذه النتائج، رغم أهميتها البحثية، لا تعني أن تناول الجوز يحسن الذاكرة بصورة مباشرة أو يمنع الخرف. فالدراسة شملت عددًا محدودًا من المشاركين وراقبت التأثير خلال ساعات قليلة فقط، ما يجعلها غير كافية للحكم على الآثار طويلة المدى.
كما أن مراجعات علمية سابقة توصلت إلى صورة متباينة. فبعض الدراسات الرصدية سجلت ارتباطًا بين استهلاك المكسرات، ومن بينها الجوز، وأداء معرفي أفضل، في حين لم تتمكن التجارب السريرية من إثبات فائدة ثابتة وواضحة على جميع جوانب الذاكرة والقدرات الذهنية.
مع ذلك، توجد تفسيرات بيولوجية تجعل الاهتمام بالجوز مبررًا. فالدهون غير المشبعة والمركبات المضادة للأكسدة الموجودة فيه قد تساعد في دعم صحة الأوعية الدموية والحد من الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل ترتبط بدورها بصحة الدماغ مع التقدم في العمر.
ويظل الأهم أن فوائد الجوز لا يمكن فصلها عن النظام الغذائي ككل. فإضافته إلى غذاء غير متوازن لا تحوله إلى علاج وقائي، بينما يمكن أن يكون جزءًا مفيدًا من نمط غذائي يعتمد على الخضر والفواكه والحبوب الكاملة والبقول والأسماك والمكسرات، مع الحفاظ على النشاط البدني والنوم الجيد ومراقبة ضغط الدم والسكري والكوليسترول.
كما ينبغي الانتباه إلى أن الجوز غني بالسعرات الحرارية، لذلك تكفي عادة كمية معتدلة منه، ويفضل تناوله دون إضافة الملح أو السكر، وأن يحل محل وجبات خفيفة أقل جودة بدل استهلاكه بكميات كبيرة فوق الاحتياجات اليومية.
الخلاصة التي تقدمها الأبحاث حتى الآن أكثر اعتدالًا من العناوين التي تتحدث عن «غذاء خارق للدماغ». فالجوز غذاء ذو قيمة غذائية مرتفعة، وهناك مؤشرات علمية مشجعة بشأن علاقته ببعض وظائف الدماغ، لكن الوقاية من التراجع المعرفي لا تختزل في نوع واحد من الطعام، بل تبقى نتيجة نمط حياة متكامل يبدأ من الغذاء ولا ينتهي عنده.
فاطمة الزهراء عاشور