كلما ظهرت دراسة جديدة حول الحليب وسرطان البروستاتا، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يمكن أن يكون غذاء يومي بهذا الانتشار عاملا يزيد خطر واحد من أكثر السرطانات شيوعا لدى الرجال؟ الجواب العلمي، حتى الآن، أكثر تعقيدا من العناوين التي توحي بوجود خطر محسوم.
المعطيات المتداولة أخيرا أعادت الاهتمام بدراسات رصدت ارتباطا بين الاستهلاك المرتفع لبعض منتجات الألبان وارتفاع طفيف في احتمال الإصابة بسرطان البروستاتا. لكن هذا الارتباط لا يعني أن الحليب يسبب المرض مباشرة، ولا أن الرجال مطالبون بالتوقف عن تناوله. ما تقوله الأدلة، في صيغتها الأكثر دقة، هو أن هناك إشارة تستحق المتابعة، لكنها لم تتحول بعد إلى علاقة سببية مثبتة.
الاهتمام الأخير بالموضوع ارتبط أيضا باستطلاع أمريكي شمل أكثر من ألف رجل، وأظهر أن عددا محدودا فقط منهم كان على علم بوجود دراسات تناقش هذه العلاقة. كما أبدى جزء من المشاركين استعدادا لتقليل استهلاك منتجات الألبان بعد التعرف على هذه المعطيات. غير أن هذا الاستطلاع لا يدرس الإصابة بالسرطان، بل يقيس المعرفة والمواقف، كما أنه أنجز بطلب من جهة تدافع بوضوح عن التغذية النباتية، وهو ما يجعل من الضروري عدم تقديمه كدليل طبي قائم بذاته.
المهم علميا يوجد في الدراسات الوبائية التي تابعت النظام الغذائي والحالة الصحية لآلاف الأشخاص على مدى سنوات. بعض هذه الأبحاث وجد أن الرجال الذين يستهلكون كميات أكبر من الحليب أو بعض مشتقاته قد يكون لديهم خطر أعلى قليلا للإصابة بسرطان البروستاتا مقارنة بمن يستهلكون كميات أقل. كما سجلت بعض التحليلات ارتباطات مشابهة مع ارتفاع استهلاك الكالسيوم الغذائي.
لكن حجم الخطر المسجل يبقى محدودا، كما أن النتائج ليست متطابقة بين جميع الدراسات ولا بين مختلف أنواع منتجات الألبان. وهذه نقطة أساسية، لأن الدراسات الرصدية تستطيع كشف علاقة إحصائية، لكنها لا تستطيع بمفردها إثبات أن الغذاء هو السبب المباشر. فقد تتداخل عوامل أخرى مرتبطة بنمط الحياة، والوزن، ومستوى النشاط البدني، والعادات الغذائية العامة، وحتى عوامل اجتماعية وصحية يصعب فصلها بالكامل.
ولهذا تتعامل الهيئات العلمية المرجعية مع الموضوع بقدر كبير من التحفظ. فالأدلة المتوفرة لا تكفي حاليا لإصدار توصية صحية عامة تدعو الرجال إلى تجنب الحليب أو مشتقاته للوقاية من سرطان البروستاتا. وبعض التقييمات العلمية تعتبر أن هناك مؤشرات محتملة، لكنها لا تزال محدودة ولا ترقى إلى مستوى الإثبات القاطع.
كما أن صورة منتجات الألبان لا يمكن اختزالها في خطر محتمل واحد. فهي توفر البروتين والكالسيوم وعددا من العناصر الغذائية المهمة، وتشير أبحاث أخرى إلى ارتباطها بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. لذلك فإن وضع الحليب في خانة “الغذاء المسرطن” لا يعكس حقيقة الأدلة المتوفرة، تماما كما أن تجاهل الإشارات المثارة حول الإفراط في استهلاكه لا يعكس الحذر العلمي المطلوب.
الأكثر أهمية في الوقاية يبقى النظر إلى النظام الغذائي ككل، لا إلى مادة واحدة معزولة. فالأنماط الغذائية الغنية بالخضر والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، إلى جانب الحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني، تظل أكثر انسجاما مع التوصيات الصحية العامة. أما بالنسبة إلى سرطان البروستاتا، فما تزال عوامل مثل التقدم في العمر، والتاريخ العائلي، والاستعداد الوراثي من بين المحددات الأكثر وضوحا وثباتا.
وبين الرغبة في البحث عن متهم غذائي واحد وبين تعقيد المرض، تظل الرسالة الأكثر دقة هي أن الحليب لا يمكن اعتباره حتى الآن سببا مثبتا لسرطان البروستاتا. توجد إشارات علمية تستحق المتابعة، خصوصا عند الاستهلاك المرتفع، لكن تحويلها إلى تحذير عام أو دعوة إلى الامتناع عن منتجات الألبان سيكون أبعد مما تسمح به الأدلة الحالية.
فاطمة الزهراء عاشور