الأمعاء وألزهايمر.. مركّب بكتيري يفتح مسارا جديدا لفهم المرض
تتزايد المؤشرات على أن صحة الدماغ لا تنفصل تماما عن صحة الأمعاء. دراسة حديثة منشورة في مجلة Nature Communications ربطت بين ارتفاع مستوى مركّب تنتجه بعض بكتيريا الأمعاء وبين تراجع القدرات الإدراكية وظهور مؤشرات بيولوجية مرتبطة بمرض ألزهايمر. النتائج لا تثبت أن هذا المركّب يسبب المرض، لكنها تضيف دليلا جديدا على أهمية ما يعرف بمحور الأمعاء والدماغ في أبحاث التنكس العصبي.
ظل العلماء لسنوات يلاحظون اختلافات في تركيبة الميكروبيوم المعوي بين المصابين بألزهايمر والأشخاص غير المصابين، غير أن العلاقة بقيت غامضة: هل تساهم هذه التغيرات فعلا في تطور المرض، أم أنها تظهر كنتيجة له؟ الدراسة الجديدة حاولت الاقتراب من الإجابة من زاوية مختلفة، بالتركيز على المواد التي تنتجها البكتيريا المعوية وليس فقط على أنواعها.
واهتم الباحثون بمركّب يسمى «إيميدازول بروبيونات» أو ImP، تنتجه بعض البكتيريا أثناء استقلاب الحمض الأميني «الهيستيدين». ويمكن لهذا المركّب أن يعبر من الأمعاء إلى الدورة الدموية، ما أثار تساؤلات حول احتمال تأثيره في أعضاء بعيدة، من بينها الدماغ.
وشملت التحليلات نحو 1200 شخص لم يكونوا يعانون في البداية من اضطرابات إدراكية واضحة. وأظهرت النتائج أن ارتفاع مستويات ImP في الدم ارتبط، في المتوسط، بأداء أضعف في بعض اختبارات الذاكرة والقدرات المعرفية، كما ارتبط بمسار أسرع للتراجع الإدراكي مع مرور الوقت.
ولم تقتصر العلاقة على الاختبارات المعرفية. فقد وجد الباحثون أن المستويات الأعلى من المركّب كانت مرتبطة أيضا بارتفاع مؤشرين دمويين يحظيان باهتمام متزايد في أبحاث ألزهايمر: الأول هو pTau-217، المرتبط بالتغيرات غير الطبيعية في بروتين «تاو»، والثاني هو NfL، الذي يمكن أن يعكس حدوث أذية في الخلايا العصبية.
ولمعرفة ما إذا كانت هذه العلاقة قد تكون أكثر من مجرد ارتباط إحصائي، أجرى الباحثون تجارب على نماذج حيوانية. وعند تعريض فئران مهيأة وراثيا لتطوير تغيرات شبيهة بألزهايمر لمركّب ImP، لوحظت زيادة في تراكم لويحات «بيتا أميلويد» وفي بعض المؤشرات المرتبطة بالالتهاب العصبي. وفي نماذج أخرى، ظهرت أيضا تغيرات مرتبطة ببروتين «تاو».
وتشير النتائج التجريبية إلى أن أحد المسارات المحتملة قد يتعلق بالحاجز الدموي الدماغي، وهو النظام الذي ينظم مرور المواد من الدم إلى أنسجة الدماغ. فقد لاحظ الباحثون تغيرات توحي بزيادة نفاذية هذا الحاجز في بعض النماذج الحيوانية، ما قد يسمح بتأثير أكبر للمواد القادمة من الدورة الدموية على البيئة العصبية. غير أن هذه الآلية لم تثبت بعد بالطريقة نفسها لدى الإنسان.
كما أظهرت الدراسة وجود علاقة بين بعض المتغيرات الجينية ومستويات ImP في الدم، وهو ما يعزز فرضية وجود مسار بيولوجي قد يربط بين إنتاج هذا المركّب وخطر الإصابة بألزهايمر. إلا أن الباحثين يشددون على أن هذه النتائج لا تكفي لإثبات علاقة سببية مباشرة.
ولا يعني ذلك أن وجود بكتيريا قادرة على إنتاج ImP يؤدي حتما إلى الإصابة بألزهايمر. فالمرض معقد ومتعدد العوامل، ويتداخل في تطوره العمر والاستعداد الوراثي وصحة القلب والأوعية والتمثيل الغذائي ونمط الحياة وعوامل أخرى عديدة. كما أن مستوى المركّب نفسه قد يتأثر بعوامل مختلفة، من بينها تركيبة الميكروبيوم والخصائص الفردية لكل شخص.
ولا تقدم الدراسة أيضا مبررا لتجنب الأغذية التي تحتوي على الهيستيدين، وهو حمض أميني ضروري للجسم وموجود طبيعيا في عدد كبير من الأغذية الغنية بالبروتين. فالبحث لا يثبت أن تناول الهيستيدين يرفع خطر الإصابة بألزهايمر، كما لا توجد حاليا توصيات غذائية مبنية على هذه النتائج.
وتكمن أهمية الدراسة في انتقال البحث حول «محور الأمعاء والدماغ» من ملاحظة الاختلافات في أنواع البكتيريا إلى محاولة تحديد جزيئات بعينها يمكن قياسها ودراسة تأثيراتها. وإذا أكدت أبحاث أخرى أن ImP يشارك فعلا في تطور المرض، فقد يصبح مستقبلا هدفا محتملا للتدخل عبر تعديل إنتاجه البكتيري أو تقليل تأثيره في الجسم.
لكن الطريق لا يزال طويلا قبل تحويل هذه النتائج إلى فحص تشخيصي أو علاج جديد. فالمطلوب أولا تأكيدها في مجموعات سكانية مختلفة، ثم إثبات أن خفض مستويات هذا المركّب لدى البشر يؤدي فعلا إلى تقليل خطر ألزهايمر أو إبطاء تطوره.
وتضيف الدراسة بذلك قطعة جديدة إلى الصورة المعقدة للمرض، من دون أن تثبت أن «ألزهايمر يبدأ في الأمعاء». ما تقترحه بصورة أكثر حذرا هو أن بعض الجزيئات التي تنتجها بكتيريا الجهاز الهضمي قد تكون جزءا من شبكة العوامل التي تؤثر، على المدى الطويل، في صحة الدماغ وفي مسارات التنكس العصبي.
فاطمة الزهراء عاشور