الحرارة في بداية الحياة قد تؤثر في مسار نمو دماغ الطفل
تشير دراسة حديثة إلى أن التعرض لدرجات حرارة مرتفعة خلال الحمل والأشهر الأولى بعد الولادة قد يرتبط بتغيرات في وتيرة نمو بعض مناطق الدماغ لدى الأطفال، في نتيجة تضيف بعدا جديدا إلى النقاش العلمي حول التأثيرات الصحية المحتملة لارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ.
تتزايد الدراسات التي تبحث في تأثير الحرارة على صحة الإنسان، لكن الاهتمام ظل لفترة طويلة منصبا أساسا على مخاطر الإجهاد الحراري والجفاف وأمراض القلب والجهاز التنفسي. أما الدراسة الجديدة، فقد اتجهت إلى مرحلة أكثر حساسية، هي فترة الحمل والسنوات الأولى من حياة الطفل، عندما يكون الدماغ في طور نمو سريع ومتواصل.
وتابع الباحثون أكثر من ثلاثة آلاف طفل، مع تقدير درجات الحرارة التي تعرضوا لها منذ وجودهم في أرحام أمهاتهم وحتى سنوات الطفولة، ثم قارنوا هذه المعطيات بصور للدماغ أجريت بواسطة الرنين المغناطيسي في مراحل لاحقة من النمو.
وأظهرت النتائج أن التعرض لدرجات حرارة أعلى خلال الحمل وبداية الحياة ارتبط خصوصا بتباطؤ نمو منطقة دماغية تعرف باسم المهاد، وهي بنية تقع في عمق الدماغ وتؤدي دورا مهما في نقل المعلومات الحسية والحركية وتنظيم الاتصال بين مناطق دماغية متعددة.
وبدا أن الفترة الأكثر حساسية لهذا الارتباط تمتد من مرحلة الحمل إلى الأشهر الأولى بعد الولادة، في حين لم تسجل الدراسة النمط نفسه بوضوح في معظم المناطق الدماغية الأخرى التي شملها التحليل.
ولا تعني هذه النتائج أن ارتفاع الحرارة يؤدي مباشرة إلى إحداث تغيرات في دماغ الطفل. فالدراسة تقوم على رصد العلاقة بين عوامل بيئية وتغيرات بيولوجية، ولا تسمح بإثبات وجود علاقة سببية مؤكدة. كما أن عوامل أخرى مرتبطة بالبيئة ونمط الحياة والظروف الاجتماعية والصحية قد تتداخل مع هذه العلاقة.
ويطرح الباحثون عدة تفسيرات محتملة تحتاج إلى مزيد من الدراسة، من بينها تأثير الحرارة على هرمونات التوتر لدى الأم أثناء الحمل، أو على وظيفة المشيمة ووصول الدم والأكسجين والعناصر الغذائية إلى الجنين، إضافة إلى احتمال مساهمة الالتهاب والإجهاد التأكسدي في التأثير على النمو العصبي.
كما بحثت الدراسة فيما إذا كانت التغيرات المسجلة في نمو المهاد ترتبط لاحقا بالأداء المعرفي أو السلوك. وأظهرت النتائج بعض الارتباطات بأعراض سلوكية في مرحلة المراهقة، لكنها لم تسجل علاقة واضحة مع القدرات المعرفية، وهو ما يدعو إلى التعامل مع هذه الملاحظات بحذر وعدم اعتبارها دليلا على أن الحرارة تسبب اضطرابات سلوكية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع ازدياد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم. وقد يكون تأثير الحرارة أكثر أهمية خلال الحمل وبداية الطفولة بسبب السرعة الكبيرة التي ينمو بها الجهاز العصبي خلال هذه المرحلة.
لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج تحتاج إلى التحقق منها في بلدان ومناطق مناخية مختلفة، خصوصا في المجتمعات التي تتعرض لدرجات حرارة أعلى من تلك المسجلة في البيئة التي أجريت فيها الدراسة.
وتفتح هذه المعطيات مجالا جديدا أمام الصحة الوقائية، إذ توحي بأن حماية النساء الحوامل والرضع من التعرض المفرط للحرارة قد لا تقتصر أهميتها على الوقاية من الإجهاد والجفاف، بل قد تكون لها أيضا صلة بحماية مراحل حساسة من نمو الدماغ، وهي فرضية ما تزال بحاجة إلى دراسات أوسع قبل تحويلها إلى توصيات صحية محددة.
فاطمة الزهراء عاشور