بعد الحرائق.. الدخان قد يواصل تأثيره على الصحة حتى بعد إخماد النيران
مع انحسار حرائق الغابات، ينصرف الاهتمام عادة إلى الخسائر البشرية والمادية وعودة السكان إلى مناطقهم، لكن جزءا من الخطر الصحي قد يستمر بعد اختفاء ألسنة اللهب. فالتعرض للدخان والجسيمات الدقيقة يمكن أن يخلّف أعراضا تنفسية وقلبية متفاوتة، ويستدعي متابعة خاصة لدى المصابين بالأمراض المزمنة والأطفال وكبار السن.
حين تنطفئ الحرائق، لا ينتهي أثرها الصحي بالضرورة. فالدخان الذي غطى مناطق واسعة خلال أيام الحريق لا يتكون فقط من رائحة مزعجة أو غبار مرئي، بل من خليط معقد من الغازات والجسيمات الدقيقة الناتجة عن احتراق الغطاء النباتي، وقد تزداد تركيبته تعقيدا عندما تمتد النيران إلى المنازل والسيارات ومواد صناعية مختلفة.
وتعد الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم «بي إم 2.5» من أكثر مكونات دخان الحرائق إثارة للقلق الصحي. فصغر حجمها يسمح لها بالتوغل عميقا داخل الرئتين، وقد يصل جزء منها إلى الدورة الدموية. ولهذا لا تقتصر آثار دخان الحرائق على تهيج العينين والحلق والسعال، بل يمكن أن تشمل ضيق التنفس والصفير وأعراضا أكثر حدة لدى بعض الفئات الهشة.
وتشير المعطيات الصحية المتاحة إلى أن معظم الأشخاص قد يعانون أعراضا محدودة ومؤقتة بعد التعرض للدخان، خصوصا إذا كان التعرض قصيرا وتحسنت جودة الهواء بسرعة. غير أن الصورة تختلف عندما تستمر الأعراض أو تتفاقم، أو عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعانون أصلا الربو أو أمراض الرئة المزمنة أو أمراض القلب.
وفي هذه الحالات، قد يتحول السعال أو ضيق النفس من عرض عابر إلى مؤشر يستحق التقييم الطبي. كما أن ظهور ألم في الصدر، أو ضيق شديد في التنفس، أو خفقان غير معتاد، أو دوار واضح، لا ينبغي اعتباره امتدادا عاديا لما بعد الحريق، خاصة لدى المرضى المزمنين وكبار السن.
ويزداد القلق أيضا لدى الأطفال، لأن أجهزتهم التنفسية لا تزال في طور النمو، فيما يكون كبار السن أكثر عرضة لتأثيرات تلوث الهواء عندما تترافق الشيخوخة مع أمراض مزمنة في القلب أو الرئة. كما يمكن أن يكون رجال الحماية المدنية والمتطوعون والعاملون لساعات طويلة في المناطق المتضررة أكثر تعرضا للدخان بسبب مدة التعرض وكثافته.
ولا يعني تحسن الرؤية أو اختفاء رائحة الدخان بالضرورة أن جودة الهواء عادت إلى طبيعتها. فالجسيمات الدقيقة قد تبقى عالقة في الجو أو تنتقل مع الرياح إلى مناطق بعيدة نسبيا عن بؤر الحرائق، وهو ما يجعل تقييم الوضع الصحي مرتبطا ليس فقط بما يراه السكان، بل أيضا باستمرار الأعراض وتطورها خلال الساعات والأيام التالية.
ويطرح ذلك تحديا آخر بعد الكارثة، يتمثل في الانتقال من منطق الاستجابة العاجلة إلى المتابعة الصحية. ففي الأيام التي تعقب الحرائق، يصبح من المهم الانتباه إلى الأشخاص الذين قد تظهر لديهم أعراض متأخرة أو تتفاقم لديهم أمراض سابقة، خصوصا الربو وأمراض الجهاز التنفسي والقلب.
كما أن العودة السريعة إلى الحياة العادية قد تخفي جزءا من المشكلة. فالسكان الذين نجوا من الحريق أو عادوا إلى منازلهم قد يركزون على الخسائر المادية وإصلاح الأضرار، في حين تبقى آثار التعرض للدخان أقل وضوحا، رغم أنها قد تكون أهم صحيا لدى بعض الحالات.
وفي المقابل، لا يعني التعرض لدخان الحرائق أن كل شخص يحتاج إلى فحوص طبية. فالأعراض الخفيفة التي تتراجع مع الابتعاد عن الدخان وتحسن الهواء غالبا ما تكون محدودة. لكن استمرار السعال، أو ازدياد صعوبة التنفس، أو ظهور أعراض قلبية أو تدهور حالة مريض مزمن، يغيّر طبيعة الوضع ويجعل الاستشارة الطبية أكثر إلحاحا.
بعد الحرائق، يكون الخطر الأكثر وضوحا قد اختفى بالفعل. لكن ما يبقى في الهواء، وما يظهر لاحقا على صحة الأشخاص الأكثر هشاشة، قد يكون جزءا من الكلفة الصحية التي لا تظهر في الساعات الأولى للكارثة.
مالك سعدو