من الرئتين إلى القلب.. ماذا يفعل دخان الحرائق داخل الجسم؟

Screenshot

لا يتوقف تأثير دخان حرائق الغابات عند حدود الجهاز التنفسي. فالجسيمات الدقيقة التي يستنشقها الإنسان تستطيع الوصول إلى أعماق الرئتين، وتحفيز استجابات التهابية قد تمتد آثارها إلى الدورة الدموية والقلب. وهو ما يفسر لماذا يتعامل الأطباء مع تلوث الهواء الناتج عن الحرائق باعتباره مشكلة تتجاوز مجرد السعال أو تهيج الحلق.

أحد المفاتيح الأساسية لفهم تأثير دخان الحرائق يكمن في حجم الجسيمات التي يحملها. فالجسيمات الدقيقة جدا، المعروفة باسم «بي إم 2.5»، أصغر بكثير من أن تحتجزها الممرات التنفسية العليا بالكامل، ولذلك تستطيع الوصول إلى الأجزاء العميقة من الرئتين، حيث تجري عملية تبادل الغازات بين الهواء والدم.

ويشرح أطباء الأمراض الصدرية أن المشكلة لا ترتبط فقط بوجود هذه الجسيمات داخل الرئة، بل أيضا بطريقة تفاعل الجسم معها. فاستنشاق كميات كبيرة منها يمكن أن يثير استجابة التهابية في الأنسجة التنفسية، ويزيد من حساسية الشعب الهوائية ويؤثر في كفاءة التنفس، خصوصا لدى من يعانون أصلا الربو أو أمراض الرئة المزمنة.

لكن تأثير هذه الاستجابة لا يبقى محصورا دائما داخل الرئتين. فالمواد الالتهابية التي يفرزها الجسم يمكن أن تنتقل عبر الدم، كما أن بعض مكونات التلوث الدقيقة تستطيع الوصول إلى الدورة الدموية. وهنا تبدأ الصلة بين دخان الحرائق والجهاز القلبي الوعائي.

ويرى أطباء القلب أن التعرض الكثيف لتلوث الهواء يمكن أن يضع عبئا إضافيا على القلب، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعانون تضيق الشرايين أو قصور القلب أو اضطرابات النظم. فالتهاب الجسم، إلى جانب التغيرات التي قد تطرأ على الأوعية الدموية وعلى توازن الجهاز العصبي المسؤول عن تنظيم نبض القلب وضغط الدم، يمكن أن يجعل بعض المرضى أكثر هشاشة خلال فترات التلوث المرتفع.

ولهذا لا تنظر الدراسات الصحية إلى دخان الحرائق بوصفه مشكلة رئوية فقط. فقد رُبط التعرض له بارتفاع في بعض الاستشارات الاستعجالية والدخول إلى المستشفيات بسبب مشكلات تنفسية وقلبية، خاصة لدى الفئات التي تعاني أمراضا مزمنة من قبل.

وتزداد أهمية هذه التأثيرات لأن حرائق الغابات غالبا ما تحدث خلال فترات حرارة مرتفعة. وهنا يتعرض الجسم لضغط مزدوج: من جهة، يحتاج القلب إلى العمل أكثر لمساعدة الجسم على التخلص من الحرارة، ومن جهة أخرى، يواجه الجهاز التنفسي والوعائي هواء محملا بالجسيمات والملوثات.

ولا تكون الاستجابة واحدة لدى الجميع. فالعمر، والحالة الصحية، ومدة التعرض، وتركيز الملوثات، وطبيعة المواد التي احترقت كلها عوامل تحدد حجم التأثير. ولهذا قد يمر التعرض عند شخص سليم دون مضاعفات تذكر، بينما يؤدي عند مريض بالقلب أو الرئة إلى تدهور واضح في حالته.

كما أن طبيعة الحريق نفسها تهم. فاحتراق الغطاء النباتي ينتج خليطا من الجسيمات والغازات، لكن عندما تمتد النيران إلى المنازل أو المركبات أو المواد البلاستيكية، تصبح تركيبة الدخان أكثر تعقيدا، مع احتمال ظهور ملوثات إضافية تختلف باختلاف ما احترق.

وبالنسبة إلى الأطباء والباحثين في الصحة البيئية، فإن هذه الآليات تفسر جانبا مهما من الخطر الذي تسببه حرائق الغابات: فالمشكلة ليست فقط في الهواء الذي يبدو ملوثا، بل في التفاعل البيولوجي الذي يبدأ داخل الرئة ويمكن أن يمتد إلى بقية الجسم.

ولهذا أصبح دخان الحرائق يُدرس اليوم ضمن التأثيرات الصحية لتلوث الهواء الحاد، وليس فقط كأثر جانبي مؤقت للكوارث الطبيعية. فالأسئلة التي تطرح بعد الحريق لا تتعلق فقط بمن تعرض للدخان، بل أيضا بما فعله هذا التعرض داخل الجسم، ومن هم الأشخاص الأقل قدرة على تحمله.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد