المستلزمات الطبية في الجزائر.. بين أولوية تفادي الندرة ورهان التصنيع المحلي
تسعى السلطات إلى تقليص الاعتماد على استيراد المستلزمات الطبية لصالح إنتاجها محلياً، لكن الانتقال نحو هذا الخيار يضع أمام القطاع معادلة دقيقة: تطوير صناعة وطنية قادرة على تغطية الاحتياجات، من دون إحداث اضطراب في التموين أو تأخير وصول المنتجات الضرورية إلى المؤسسات الصحية.
عاد ملف توفر المستلزمات الطبية إلى واجهة النقاش بين وزارة الصناعة الصيدلانية والمتعاملين الاقتصاديين، خلال لقاء جمع، الأحد 16 أوت 2026، وزير الصناعة الصيدلانية وسيم قويدري بممثلين عن الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل «CAP».
الاجتماع، الذي يأتي امتداداً للقاء سابق بين الطرفين، خُصص أساساً لمتابعة انشغالات المتعاملين المتعلقة بتسويق المستلزمات الطبية وتوفيرها، إلى جانب تقييم الإجراءات المتخذة لتسهيل نشاط الشركات وضمان استمرارية تموين السوق الوطنية.
ومن بين النقاط المطروحة تسريع وتبسيط الحصول على رخص البرامج التقديرية للاستيراد، وهي إجراءات تكتسي أهمية خاصة في قطاع يرتبط انتظام نشاطه مباشرة بتوفر منتجات تستخدم يومياً في المستشفيات والعيادات ومختلف هياكل الرعاية الصحية.
غير أن تسهيل الاستيراد لا يمثل، بحسب التوجه الذي عرضته الوزارة، سوى جزء من المعادلة. فالهدف على المدى المتوسط يتمثل في تقليص الاعتماد على المنتجات المستوردة وتوسيع تصنيع المستلزمات الطبية داخل الجزائر، من خلال تشجيع الاستثمار والاستفادة من القدرات والخبرات الوطنية المتوفرة.
هذا التحول قد يسمح بتقليل هشاشة السوق أمام اضطرابات سلاسل التوريد الخارجية، لكنه يطرح في المقابل تحديات تتجاوز مجرد إنشاء وحدات إنتاج جديدة. فالمعيار الحاسم بالنسبة للقطاع الصحي يظل قدرة الصناعة المحلية على توفير المنتجات بالكميات المطلوبة، وبجودة مطابقة للمعايير، وبصورة منتظمة تسمح للمؤسسات الصحية بمواصلة نشاطها دون انقطاع.
ولهذا يبقى تأمين السوق خلال مرحلة الانتقال مسألة أساسية. فتقليص الاستيراد قبل توفر بدائل محلية كافية يمكن أن يؤدي إلى اختلالات في التموين، في حين أن الاستمرار في الاعتماد شبه الكامل على الخارج يجعل توفر بعض المنتجات رهيناً بعوامل لا تتحكم فيها السوق الوطنية.
ممثلو الكونفدرالية أبدوا، وفق بيان الوزارة، استعدادهم لتوسيع استثماراتهم في مجال تصنيع المستلزمات الطبية. غير أن الأثر الفعلي لهذا التوجه لن يقاس بحجم الإعلانات الاستثمارية وحدها، بل بعدد المشاريع التي تدخل مرحلة الإنتاج وقدرتها على تغطية جزء ملموس من الطلب الوطني.
ويضع هذا الملف مفهوم «السيادة الصحية» أمام اختبار عملي. فبناء صناعة وطنية للمستلزمات الطبية يمكن أن يعزز قدرة الجزائر على مواجهة الأزمات الصحية واضطرابات الإمداد، لكن ذلك يظل مرتبطاً بوجود صناعة تنافسية ومستدامة، ونظام رقابة يضمن الجودة، وسياسة تموين تحافظ في الوقت نفسه على توفر المنتجات التي يحتاج إليها المريض.
وبين تسريع إجراءات الاستيراد وتشجيع الإنتاج الوطني، سيكون التحدي خلال المرحلة المقبلة هو ضمان انتقال تدريجي لا يجعل هدف تقليص التبعية للخارج يأتي على حساب أولوية أكثر إلحاحاً: ألا تنقطع المستلزمات الطبية عن المستشفيات والمرضى.
مريم عزون