إيبولا في الكونغو الديمقراطية.. أسرع تفشٍ مسجل يضع الاستجابة الصحية أمام سباق مع الزمن

تتسارع وتيرة تفشي مرض إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية بصورة غير مسبوقة، مع تسجيل أكثر من أربعة آلاف إصابة مؤكدة ونحو ألفي وفاة خلال أشهر قليلة. وتقول منظمة الصحة العالمية إن الوباء الحالي أصبح ثاني أكبر تفشٍ لإيبولا مسجل عالمياً، محذرة من أنه قد يتجاوز وباء غرب إفريقيا 2014-2016 إذا استمر انتشاره بالوتيرة الحالية.

بلغ عدد الإصابات المؤكدة بإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية 4449 حالة، بينها 2061 وفاة، وفق أحدث حصيلة أعلنتها منظمة الصحة العالمية في 12 أوت 2026، فيما امتد الفيروس إلى خمس مقاطعات و53 منطقة صحية. وهي أرقام تعكس تسارعاً كبيراً مقارنة بالأسابيع السابقة وتضع السلطات الصحية أمام تحدٍّ متزايد لوقف سلاسل العدوى.

وتصف منظمة الصحة العالمية التفشي الحالي بأنه الأسرع انتشاراً بين جميع أوبئة إيبولا المسجلة حتى الآن. كما أصبح ثاني أكبر تفشٍ للمرض في التاريخ، بعد الوباء الذي ضرب غرب إفريقيا بين 2014 و2016. وإذا استمرت الزيادة بالمعدل نفسه، ترجح المنظمة أن يتجاوز التفشي الحالي ذلك الوباء من حيث عدد الحالات.

ويختلف التفشي الحالي عن معظم موجات إيبولا المعروفة في المنطقة من حيث نوع الفيروس المسبب له. فالعدوى ناجمة عن فيروس بونديبوغيو (Bundibugyo virus)، وهو أحد الفيروسات المسببة لمرض إيبولا. ولا يوجد حتى الآن لقاح مرخص أو علاج نوعي معتمد خصيصاً لهذا النوع، بينما تتواصل الأبحاث لتقييم لقاحات وعلاجات محتملة.

وينتقل إيبولا بين البشر عبر الاتصال المباشر بدم الشخص المصاب أو سوائل جسمه وإفرازاته، أو بمواد ملوثة بهذه السوائل. ولا ينقل المصاب الفيروس قبل ظهور الأعراض، بينما يمكن أن تمتد فترة الحضانة من يومين إلى 21 يوماً.

ويبدأ المرض عادة بحمى مفاجئة وإرهاق شديد وآلام في العضلات وصداع والتهاب في الحلق، قبل أن تظهر لدى بعض المرضى أعراض أخرى مثل القيء والإسهال واضطرابات في وظائف الجسم، وقد تحدث حالات نزيف. وتكمن إحدى صعوبات السيطرة على المرض في أن أعراضه الأولى قد تتشابه مع أمراض أخرى، ما يجعل التشخيص المخبري والكشف المبكر عن الحالات عنصرين أساسيين في الاستجابة.

ولا تعني الإصابة بإيبولا بالضرورة الوفاة. فالرعاية الطبية المبكرة، بما في ذلك تعويض السوائل ومعالجة الأعراض والمضاعفات، يمكن أن تحسن فرص النجاة. وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت بالفعل تعافي مئات المرضى خلال التفشي الحالي.

لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على علاج المصابين. فالسيطرة على إيبولا تقوم أساساً على العثور على الحالات بسرعة، وعزل المرضى، وتتبع الأشخاص الذين خالطوهم، وتطبيق إجراءات الوقاية من العدوى داخل المرافق الصحية، وضمان التعامل الآمن والكريم مع جثامين المتوفين. وأي تأخر في اكتشاف المصابين يسمح للفيروس بمواصلة الانتقال داخل الأسر والمجتمعات.

وتزداد صعوبة هذه المهمة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يتزامن التفشي مع أوضاع إنسانية وأمنية معقدة ونزوح للسكان وحركة واسعة عبر الحدود. وقد صنفت منظمة الصحة العالمية في 17 ماي 2026 انتشار إيبولا الناجم عن فيروس بونديبوغيو في الكونغو الديمقراطية وأوغندا طارئة صحية عامة تثير قلقاً دولياً، في إشارة إلى الحاجة إلى استجابة منسقة تتجاوز حدود دولة واحدة.

ورغم تعزيز المراقبة الوبائية وتوسيع قدرات التشخيص، توضح المنظمة أن الزيادة في الأعداد لا تعود فقط إلى تحسن اكتشاف الحالات، بل تعكس أيضاً اتساعاً حقيقياً للتفشي. ففي نهاية جويلية وحده كانت الكونغو الديمقراطية قد سجلت 3605 حالات مؤكدة و1587 وفاة، قبل أن ترتفع الحصيلة في أقل من أسبوعين إلى 4449 إصابة و2061 وفاة.

وبينما تتواصل جهود احتواء المرض، تكشف الأرقام أن المعركة الأساسية باتت مع الزمن. فكل حالة لا تُكتشف مبكراً قد تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة العدوى، وهو ما يفسر تحذير منظمة الصحة العالمية من أن التفشي أخذ يتقدم بوتيرة أسرع من الاستجابة الصحية نفسها. وفي وباء بهذه السرعة، لا يصبح خفض الوفيات وحده هو التحدي، بل الوصول إلى المصابين والمخالطين قبل أن يجد الفيروس طريقه إلى مناطق ومجتمعات جديدة.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد