الصحة المدرسية في الجزائر.. شبكة واسعة وتحدي الانتقال من الكشف إلى الوقاية الفعلية
تملك الجزائر شبكة واسعة للصحة المدرسية تضم أكثر من ألفي وحدة للكشف والمتابعة ويعمل بها أكثر من سبعة آلاف مستخدم، غير أن التحدي المطروح اليوم لم يعد يقتصر على توسيع هذا الجهاز بقدر ما يتعلق بقدرته على تقديم خدمات متقاربة في مختلف المناطق، والكشف المبكر عن المشكلات الصحية، ومرافقة التلاميذ بصورة منتظمة، وتحويل الوقاية إلى جزء فعلي من الحياة المدرسية.
هذا التوجه كان في صلب الطبعة الثانية لليوم الوطني للصحة المدرسية، التي نظمت الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 بالجزائر العاصمة، بحضور مسؤولين ومهنيين في الصحة وممثلين عن عدة قطاعات وطنية، إلى جانب منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف».
وخلال اللقاء، أعلنت وزارة الصحة أن المخطط الوطني الاستراتيجي متعدد القطاعات للوقاية وتعزيز الصحة في الوسط المدرسي بلغ مرحلته النهائية. ويُفترض أن يشكل هذا المخطط مرجعا مشتركا للقطاعات المعنية، من خلال تحديد الأولويات وتوزيع الأدوار ووضع آليات للمتابعة والتقييم، بعد مسار من اللقاءات والتقييمات التي أجريت على مستوى الولايات لرصد النقائص والصعوبات التي تواجه منظومة الصحة المدرسية.
وفي كلمة وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، التي ألقاها نيابة عنه الأمين العام للوزارة محمد طالحي، شددت الوزارة على ضرورة تجاوز النظرة التقليدية للصحة المدرسية باعتبارها مجرد فحوص دورية، والتوجه نحو مقاربة أوسع تشمل الوقاية وترسيخ السلوكيات الصحية ومواجهة عوامل الخطر التي تهدد الأطفال والمراهقين، خاصة تلك المرتبطة بالأمراض غير السارية.
ويأتي هذا الطرح في وقت أصبحت فيه صحة التلميذ مرتبطة بملفات تتجاوز الفحص الطبي المباشر، لتشمل التغذية والنشاط البدني والصحة النفسية وصحة الأسنان وأنماط الحياة، إضافة إلى القدرة على اكتشاف المشكلات في وقت مبكر وضمان توجيه الحالات التي تحتاج إلى متابعة متخصصة. وهو ما يجعل التنسيق بين قطاعات الصحة والتربية والشباب والجماعات المحلية وحماية الطفل عاملا أساسيا في فعالية أي سياسة وطنية في هذا المجال.
وبحسب وزارة الصحة، فقد أنشئت لجنة وطنية للخبراء في الصحة المدرسية لتقديم الدعم العلمي والتقني والمساهمة في تطوير البرامج، إلى جانب لجنة وطنية متعددة القطاعات يفترض أن توفر إطارا للتنسيق بين مختلف الجهات المتدخلة. كما نظمت دورات تكوينية لفائدة الأطباء وأطباء الأسنان والأخصائيين النفسانيين العاملين في الصحة المدرسية، بهدف تحديث المعارف وتحسين طرق التكفل بالأطفال والمراهقين.
وفي موازاة ذلك، يجري إعداد مشروع قرار وزاري مشترك يحدد المعايير التقنية المتعلقة بالموارد البشرية والأثاث والتجهيزات المخصصة لهياكل الكشف والمتابعة. وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة إذا نجحت في تقليص الفوارق بين الوحدات من حيث الإمكانيات وظروف العمل، لأن وجود شبكة واسعة لا يعني بالضرورة أن مستوى الخدمة متقارب بين مختلف المؤسسات والمناطق.
وقدمت إيفا ميلاس، الممثلة المساعدة لليونيسف في الجزائر، معطيات تشير إلى وجود أكثر من ألفي وحدة للكشف والمتابعة وأكثر من سبعة آلاف مستخدم في مجال الصحة المدرسية، معتبرة أن الجزائر تمتلك منظومة مهمة في هذا المجال. كما أشارت إلى أن اللجنة متعددة القطاعات توفر إطارا للعمل المشترك، وأن اليونيسف، بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية، تدعم هذا المسار في مجالات البيانات وتطوير الكفاءات والوقاية والتغذية الصحية وإشراك المجتمع المدني.
من جهته، أبرز ممثل منظمة الصحة العالمية في الجزائر، الدكتور فانيول هابيمانا، أهمية التعاون بين قطاعات الصحة والتربية والشباب وحماية الطفل والجماعات المحلية، وهو تعاون يبقى ضروريا بالنظر إلى أن جزءا كبيرا من المشكلات الصحية التي تمس التلاميذ لا يمكن معالجته من داخل القطاع الصحي وحده.
وإذا كانت الهياكل واللجان والمخططات الجديدة توفر إطارا تنظيميا أوسع للصحة المدرسية، فإن الرهان الأساسي سيظل في التنفيذ. فالمقياس الحقيقي لنجاح الإصلاح لن يكون عدد الاجتماعات أو النصوص التنظيمية، وإنما مدى تحسن الكشف المبكر والمتابعة الطبية والنفسية، وقدرة الوحدات على الاستجابة للاحتياجات الفعلية للتلاميذ، ومدى تقليص الفوارق بين المدارس والمناطق في الوصول إلى خدمات صحية ذات مستوى مقبول.
وبهذا المعنى، فإن الانتقال نحو «مدرسة داعمة للصحة»، كما تطرحه وزارة الصحة، يفترض أن يترجم إلى إجراءات يومية واضحة داخل المؤسسات التربوية، بحيث تصبح الوقاية والتوعية والمتابعة جزءا مستمرا من المسار المدرسي، لا مجرد نشاط موسمي أو مناسبة سنوية.
مريم عزون