شمال أفريقيا تبحث عن سيادة صحية أقل ارتهاناً للخارج
لم يعد الأمن الصحي في شمال أفريقيا يُختزل في الاستعداد للأوبئة أو تحسين التنسيق بين وزارات الصحة، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن لدول المنطقة أن تقلص اعتمادها على الخارج في الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية، وأن تبني في المقابل قدرات مشتركة في الإنتاج والشراء والتمويل والاستجابة للأزمات؟
هذا الرهان كان في صلب الاجتماع الثاني للجنة التوجيهية الإقليمية لمركز التنسيق لشمال أفريقيا، التابع للمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، الذي احتضنته العاصمة التونسية بمشاركة وزراء ومسؤولين وخبراء وشركاء إقليميين.
وشارك وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، في الاجتماع إلى جانب وزير الصحة التونسي مصطفى الفرجاني، والمدير العام للمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها جان كاسيا، ومسؤولي المركز الإقليمي وممثلين عن هيئات وشركاء في المجال الصحي.
ورغم الطابع المؤسساتي للاجتماع، فإن الملفات المطروحة تعكس تحولاً واضحاً في المقاربة الصحية داخل القارة. فالأزمات الصحية خلال السنوات الماضية أظهرت أن امتلاك أنظمة وطنية للعلاج والوقاية لا يكفي وحده عندما تبقى سلاسل توريد الأدوية واللقاحات والتجهيزات مرتبطة بشكل كبير بالأسواق الخارجية، أو عندما تجد الدول نفسها في منافسة مباشرة للحصول على المنتجات نفسها خلال فترات الطوارئ.
ومن هنا برز ملف الإنتاج المحلي للصناعات الصيدلانية كأحد المحاور الرئيسية للنقاش. وأكد آيت مسعودان أن تطوير الصناعة الدوائية داخل القارة يمثل أحد الأسس العملية لبناء سيادة صحية أكثر صلابة، مع الإعراب عن استعداد الجزائر لتقاسم خبراتها والمساهمة في بناء سلاسل قيمة إقليمية تسمح بربط قدرات الإنتاج باحتياجات الأسواق الأفريقية.
غير أن توسيع الإنتاج المحلي لا يحل المشكلة وحده، لأن جانباً آخر من المعادلة يتعلق بكيفية شراء الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية. وفي هذا السياق، تراهن الهيئات الصحية الأفريقية على آلية الشراء المجمّع التي تسمح بتجميع الطلبات والتفاوض بصورة جماعية مع المنتجين والموردين، بما قد يمنح الدول قدرة تفاوضية أكبر، خصوصاً تلك التي تظل أسواقها الوطنية محدودة عندما تتفاوض منفردة.
وقد ثمّن الوزير التقدم المسجل في تفعيل هذه الآلية، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم تخص دول شمال أفريقيا، وهي خطوة يمكن أن تكتسب أهمية فعلية إذا انتقلت من مستوى الاتفاق السياسي إلى ترتيبات تنفيذية واضحة تحدد المنتجات المعنية، وآليات الطلب، والتمويل، والتوزيع بين الدول.
ولا تتوقف مسألة السيادة الصحية عند الأدوية واللقاحات، لأن التمويل يبقى أحد أكثر عناصر المنظومات الصحية هشاشة، خاصة عندما ترتبط بعض البرامج الوقائية أو حملات التلقيح بدرجات متفاوتة بالدعم الخارجي. ولهذا شدد آيت مسعودان على أهمية تعزيز التمويل الداخلي للصحة وتحسين إدارة الموارد العمومية، بما يضمن استمرارية البرامج ويقلل من تأثرها بتراجع أو تغير مصادر التمويل الدولي.
كما تناول الاجتماع التحول الرقمي، وربط شبكات المختبرات والمؤسسات الصحية، وتبادل المعلومات والمعارف، وتعزيز التنسيق عبر الحدود. وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة عند ظهور تهديدات صحية لا تتوقف عند الحدود، لأن فعالية الاستجابة لا تتحدد فقط بعدد المستشفيات أو الأطباء، وإنما أيضاً بسرعة تبادل المعطيات، وقدرة المختبرات على التنسيق، ووجود أنظمة إنذار تسمح برصد المخاطر قبل انتشارها على نطاق أوسع.
وفي هذا الإطار، أبدت الجزائر استعدادها لوضع خبرات مؤسساتها الوطنية في مجال الصحة العمومية والأمن الصحي في خدمة التعاون الإقليمي، بما يسمح بتحويل جزء من الخبرة المتراكمة وطنياً إلى مساهمة أوسع في شبكات الاستجابة والتكوين والتنسيق داخل المنطقة.
لكن الاختبار الحقيقي لهذا المسار سيبقى في التنفيذ، وهو ما يفسر الدعوة إلى وضع خطة محددة الآجال لأولويات سنة 2027، مدعومة بآليات للمتابعة والتقييم. فالقارة لا تفتقر إلى المبادرات أو البرامج المعلنة، بينما يبقى التحدي في تحويلها إلى صفقات شراء مشتركة، ومشاريع إنتاج فعلية، وشبكات مختبرات مترابطة، وتمويل أكثر استقراراً.
وتطرق آيت مسعودان أيضاً إلى طريقة تسيير الهيئات الإقليمية، داعياً إلى تكريس مبدأ التداول بين الدول الأعضاء في تولي المناصب والمسؤوليات وضمان تكافؤ الفرص في المشاركة الفعلية في إدارة هذه المؤسسات. ويعكس هذا الطرح بعداً آخر في النقاش، لأن نجاح التعاون الصحي لا يتعلق فقط بمحتوى البرامج، بل أيضاً بمدى شعور الدول بأنها شريكة فعلياً في صنع القرار.
ويكشف اجتماع تونس، في النهاية، أن مفهوم «السيادة الصحية» في شمال أفريقيا بدأ يتجاوز الاستجابة للأوبئة ليشمل الصناعة الصيدلانية، والتمويل، والشراء المشترك، والرقمنة، والمختبرات، وآليات إدارة المؤسسات الإقليمية. أما الفارق بين الطموح والنتيجة فسيُقاس بقدرة دول المنطقة على تحويل هذه التوجهات إلى أدوات عملية تخفف تدريجياً من التبعية الخارجية وتمنح المنظومات الصحية هامشاً أكبر للتحرك عند الأزمات.
مريم عزون