العمى منذ الولادة يغيّر نضج القشرة البصرية في الدماغ
كشفت دراسة حديثة أن العمى منذ الولادة لا يغيّر فقط الطريقة التي يستخدم بها الدماغ مناطقه البصرية، بل يؤثر أيضا في بنيتها ونضجها. فقد أظهرت النتائج انخفاض مؤشرات مرتبطة بـ«الميالين» في القشرة البصرية لدى الأشخاص المولودين مكفوفين، ما يقدم معطيات جديدة حول الدور الذي تؤديه التجارب الحسية في تشكيل الدماغ خلال مراحل النمو.
ونشرت الدراسة في مجلة Science Advances تحت عنوان Congenital blindness reduces myelination in human visual cortex، وشملت 24 شخصا يعانون العمى الخِلقي و24 شخصا مبصرا للمقارنة. واستخدم الباحثون تقنيات متقدمة للتصوير بالرنين المغناطيسي لدراسة المناطق V1 وV2 وV3، وهي من أولى مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية.
وأظهرت النتائج اختلافات في البنية المجهرية للقشرة البصرية لدى المكفوفين منذ الولادة، كان أبرزها في المنطقة البصرية الأولية V1، حيث سجل الباحثون انخفاضا في عدة مؤشرات مرتبطة بالميالين.
ويعد الميالين عنصرا أساسيا في الجهاز العصبي، إذ يشكل غلافا حول الألياف العصبية يساعد الإشارات على الانتقال بسرعة وكفاءة. وتشير النتائج، بالتالي، إلى أن وصول المعلومات البصرية خلال السنوات الأولى من الحياة قد يساهم في نضج هذه البنية داخل القشرة البصرية، بينما يؤدي غيابها منذ الولادة إلى مسار مختلف في تطور الدماغ.
وتساعد الدراسة كذلك على فهم ظاهرة معروفة تتمثل في زيادة سماكة القشرة البصرية لدى الأشخاص المصابين بالعمى الخِلقي. وكان ذلك يُفسر سابقا، بصورة أساسية، بانخفاض «التقليم العصبي»، وهي العملية التي يتخلص خلالها الدماغ النامي من بعض الوصلات الزائدة. إلا أن الباحثين وجدوا أن زيادة السماكة ترتبط أيضا بانخفاض مؤشرات الميالين، ما يطرح تفسيرا إضافيا يتعلق باختلاف نضج أنسجة القشرة نفسها.
ولا تعني هذه التغيرات أن المناطق البصرية لدى المكفوفين تصبح غير فعالة. فعلى العكس، أظهرت أبحاث سابقة قدرة الدماغ على إعادة تنظيم شبكاته، بحيث يمكن لمناطق مخصصة عادة للرؤية أن تساهم في معالجة اللمس واللغة ووظائف معرفية أخرى لدى من وُلدوا من دون بصر.
ويحذر الباحثون في الوقت نفسه من أن تقنيات التصوير المستخدمة تقدم مؤشرات غير مباشرة على كمية الميالين ولا تعادل الفحص المجهري لأنسجة الدماغ. كما أن دراسة أشخاص بالغين لا تسمح بتحديد المرحلة العمرية الدقيقة التي تبدأ خلالها هذه الاختلافات.
وتبرز النتائج في النهاية جانبا أساسيا من «اللدونة العصبية»: فالتجارب الحسية لا تزود الدماغ بالمعلومات فحسب، بل يبدو أنها تشارك أيضا في تشكيل بنيته. وهو ما يجعل العمى الخِلقي نموذجا مهما لفهم الطريقة التي يبني بها الدماغ البشري شبكاته ويتكيف مع العالم منذ السنوات الأولى للحياة.
فاطمة الزهراء عاشور