لماذا ينجو بعض المسنين من الخرف رغم إصابتهم بألزهايمر؟ دراسة تكشف «سرّ مقاومة الدماغ»
لطالما ارتبط مرض ألزهايمر في الأذهان بفقدان الذاكرة والتدهور التدريجي للقدرات الإدراكية، حتى أصبح تشخيصه أشبه بحكم محتوم يقود في النهاية إلى الخرف. غير أن العلم بدأ يكتشف أن هذه المعادلة ليست مطلقة، وأن بعض الأشخاص ينجحون في مقاومة المرض والاحتفاظ بقدراتهم الذهنية رغم وجود التغيرات البيولوجية نفسها التي تصيب مرضى ألزهايمر.
وفي هذا السياق، توصلت دراسة جديدة نشرتها مجلة Nature Medicine إلى اكتشاف قد يعيد رسم خريطة البحث العلمي حول هذا المرض المعقد، بعدما حددت مرحلة بيولوجية حاسمة داخل الدماغ قد تفسر سبب احتفاظ بعض المسنين والمعمرين بذاكرتهم ووظائفهم الإدراكية، في حين ينزلق آخرون نحو الخرف.
واعتمد الباحثون على تحليل أنسجة دماغية لأشخاص متقدمين في السن، بينهم معمّرون تجاوزوا المئة عام. والمثير للانتباه أن عدداً منهم كان يحمل في دماغه ترسبات بروتيني الأميلويد بيتا والتاو، وهما العلامتان البيولوجيتان الأكثر ارتباطاً بمرض ألزهايمر، من دون أن تظهر عليهم أي أعراض تدهور معرفي أو فقدان للذاكرة.
هذا التناقض دفع العلماء إلى البحث عن العامل الذي يجعل بعض الأدمغة أكثر قدرة على مقاومة المرض. وأظهرت النتائج أن المفتاح قد يكمن في الخلايا الدبقية الصغيرة (Microglia)، وهي الخلايا المناعية الرئيسية في الدماغ والمسؤولة عن مراقبة البيئة العصبية والاستجابة للإصابات والالتهابات.
فقد اكتشف الباحثون أن هذه الخلايا تمر بتحول حاسم عند المنطقة الفاصلة بين ترسبات الأميلويد وانتشار بروتين التاو. وفي هذه اللحظة البيولوجية الدقيقة، يبدو أن الدماغ يختار أحد مسارين مختلفين: إما الدخول في حلقة من الالتهاب وتلف الخلايا العصبية التي تقود إلى الخرف، أو تفعيل آليات وقائية تسمح بالحفاظ على الوظائف الإدراكية رغم وجود التغيرات المرضية.
ويشير هذا الاكتشاف إلى أن الإصابة بألزهايمر لا تتحدد فقط بوجود البروتينات السامة في الدماغ، بل أيضاً بقدرة الجهاز المناعي الدماغي على التعامل معها. وهي نتيجة تحمل أهمية كبيرة، لأنها تنقل الاهتمام العلمي من محاولة إزالة ترسبات الأميلويد والتاو فحسب، إلى فهم الآليات التي تمنح بعض الأشخاص ما يمكن تسميته بـ«المناعة العصبية» أو «المرونة الدماغية» في مواجهة المرض.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في وقت لا تزال فيه العلاجات المتوفرة عاجزة عن إيقاف تطور ألزهايمر بشكل نهائي، رغم عقود من الأبحاث والاستثمارات الضخمة. ويرى الباحثون أن استهداف الخلايا المناعية في الدماغ وتعزيز قدرتها على حماية الخلايا العصبية قد يمثل الجيل المقبل من العلاجات، ليس فقط لإبطاء المرض، بل ربما لمنع ظهور الخرف لدى الأشخاص المعرضين للإصابة به.
ويُعد مرض ألزهايمر السبب الرئيسي للخرف في العالم، إذ يصيب عشرات الملايين من الأشخاص، ومن المتوقع أن تتضاعف أعداد المرضى خلال العقود المقبلة بفعل شيخوخة السكان وارتفاع متوسط العمر.
وبينما لا يزال الطريق طويلاً قبل تحويل هذا الاكتشاف إلى علاج سريري، فإن الدراسة تقدم أملاً جديداً في معركة الإنسانية ضد أحد أكثر الأمراض العصبية تدميراً، وتؤكد أن سر النجاة من الخرف قد لا يكمن في غياب المرض، بل في قدرة الدماغ على مقاومته.
فاطمة الزهراء عاشور