علاج واعد لحساسية الفول السوداني لدى الأطفال: دراسة أوروبية تقلب قواعد التعامل مع أحد أخطر أنواع الحساسية الغذائية

قد لا يكون تجنب الفول السوداني مدى الحياة هو الخيار الوحيد للأطفال المصابين بحساسيته. فقد كشفت دراسة أوروبية جديدة أن تعريض الأطفال الصغار لكميات ضئيلة جداً من بروتين الفول السوداني، تُزاد تدريجياً وتحت إشراف طبي متخصص، يمكن أن يساعد معظمهم على تطوير قدرة مستدامة على تحمله، ما يفتح الباب أمام تحول جذري في علاج أحد أكثر أنواع الحساسية الغذائية إثارة للقلق.

الدراسة، التي نُشرت في مجلة The Lancet Regional Health – Europe، أجراها باحثون من معهد كارولينسكا في السويد وشملت أطفالاً تتراوح أعمارهم بين سنة وثلاث سنوات، وهي مرحلة عمرية يعتقد العلماء أن الجهاز المناعي خلالها يتمتع بمرونة أكبر وقدرة أعلى على إعادة برمجة استجابته تجاه المواد المسببة للحساسية.

وقسّم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين. تلقت المجموعة الأولى علاجاً مناعياً فموياً يقوم على إعطاء الأطفال جرعات صغيرة جداً من بروتين الفول السوداني، يتم رفعها تدريجياً على مدى ثلاث سنوات، في حين التزمت المجموعة الثانية بالتوصية التقليدية المتمثلة في الامتناع التام عن تناول الفول السوداني.

وجاءت النتائج لتفاجئ الباحثين. فقد نجح أكثر من ثمانية من كل عشرة أطفال خضعوا للعلاج المناعي في اكتساب قدرة مستدامة على تحمل الفول السوداني، مقارنة بنسبة محدودة جداً لدى الأطفال الذين واصلوا سياسة التجنب الكامل. كما تمكن عدد كبير من الأطفال الذين تلقوا العلاج من تحمل كميات من الفول السوداني كانت في السابق كافية لإحداث تفاعلات تحسسية خطيرة.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن حساسية الفول السوداني تعد من أكثر أنواع الحساسية الغذائية خطورة، إذ يمكن أن تؤدي لدى بعض الأطفال إلى تفاعلات تحسسية حادة قد تهدد الحياة، حتى عند التعرض لكميات ضئيلة جداً من المادة المسببة للحساسية. ولذلك تعيش آلاف العائلات يومياً تحت وطأة القلق من التعرض العرضي للفول السوداني في المدرسة أو المطاعم أو خلال المناسبات الاجتماعية.

ولم يقتصر نجاح الدراسة على فعالية العلاج فحسب، بل شمل أيضاً جانب السلامة. فقد أظهرت البيانات أن البروتوكول العلاجي المعتمد على جرعات منخفضة وبطيئة الزيادة كان آمناً إلى حد كبير، مع تسجيل عدد محدود من الآثار الجانبية ونسبة ضئيلة جداً من التفاعلات الشديدة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تمثل نقطة تحول في النظرة الطبية إلى حساسية الفول السوداني. فبدلاً من اعتبارها حالة تستوجب التجنب الدائم، قد يصبح بالإمكان مستقبلاً إعادة تدريب الجهاز المناعي تدريجياً على تقبل المادة المسببة للحساسية، خاصة إذا بدأ العلاج في سن مبكرة.

غير أن الخبراء يشددون على أن هذه النتائج لا تعني إطلاقاً إمكانية تجربة إدخال الفول السوداني إلى غذاء الأطفال المصابين بالحساسية في المنزل. فالعلاج المناعي الفموي يتطلب إشرافاً طبياً متخصصاً ومراقبة دقيقة، نظراً لاحتمال حدوث تفاعلات تحسسية خطيرة لدى بعض المرضى.

وتشير التقديرات إلى أن حساسية الفول السوداني تصيب ما يقرب من 2 في المائة من الأطفال في العديد من الدول، كما أن معدلات الإصابة بالحساسية الغذائية عموماً تشهد ارتفاعاً مستمراً في مختلف أنحاء العالم، ما يجعل البحث عن علاجات فعالة وآمنة أولوية صحية متزايدة.

ورغم أن الأمر لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسات لتحديد أفضل البروتوكولات العلاجية وفهم الآثار طويلة المدى للعلاج المناعي، فإن هذه الدراسة تقدم رسالة أمل جديدة للعائلات: فبالنسبة لعدد كبير من الأطفال، قد لا يكون الخوف من الفول السوداني قدراً محتوماً، بل حالة يمكن تدريب الجهاز المناعي على التغلب عليها.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد