منظمة الصحة العالمية: التشوهات الخلقية تتحول إلى تهديد صامت يفتك بأطفال الدول النامية
حذّرت منظمة الصحة العالمية، في تقرير تقني جديد صدر سنة 2026، من أن التشوهات الخلقية أصبحت من أبرز أسباب وفيات الأطفال والإعاقات الدائمة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، في تحول لافت في خريطة التحديات الصحية العالمية بعد النجاح الكبير الذي حققته هذه الدول في مكافحة الأمراض المعدية وخفض وفيات الأطفال.
ويؤكد التقرير أن التشوهات الخلقية تصيب ما بين 3 و6 بالمائة من المواليد حول العالم، أي نحو ثمانية ملايين طفل سنوياً، وتتسبب في وفاة ما يقارب نصف مليون طفل دون سن الخامسة كل عام. غير أن العبء الأكبر يقع على عاتق الدول النامية، حيث يعيش تسعة من كل عشرة أطفال يولدون بتشوهات خلقية خطيرة، فيما تحدث 95 بالمائة من الوفيات المرتبطة بهذه الحالات في هذه البلدان.
وتشير أحدث التقديرات الأممية إلى أن نسبة وفيات الأطفال دون الخامسة الناتجة عن التشوهات الخلقية ارتفعت بشكل مقلق خلال العقدين الأخيرين. ففي إفريقيا جنوب الصحراء، ارتفعت هذه النسبة من 1 بالمائة سنة 2000 إلى 4 بالمائة سنة 2023، بينما قفزت في جنوب آسيا من 3 بالمائة إلى 11 بالمائة خلال الفترة نفسها.
وترى منظمة الصحة العالمية أن هذا الارتفاع لا يعكس زيادة في عدد التشوهات الخلقية بقدر ما يكشف نجاح الدول في تقليص الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية، ما جعل الأمراض الخلقية والوراثية تتصدر تدريجياً قائمة أسباب وفيات الأطفال والإعاقات طويلة الأمد.
وأكد التقرير أن مواجهة هذا التحدي تتطلب الانتقال من منطق العلاج المتأخر إلى استراتيجية تقوم على الكشف المبكر والتشخيص السريع والتكفل المتكامل. وشددت المنظمة على أن برامج الكشف عند الولادة لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا اقتصرت على التشخيص فقط، بل ينبغي أن تكون جزءاً من منظومة صحية متكاملة تشمل الإحالة الطبية والعلاج والجراحة والتأهيل والمتابعة طويلة الأمد والدعم الاجتماعي والنفسي للأسر.
واستعرض التقرير تجارب عدد من الدول التي نجحت في بناء برامج وطنية رائدة في هذا المجال. ففي الفلبين، تطور برنامج الكشف المبكر منذ انطلاقه سنة 1996 ليشمل اليوم 29 مرضاً ويغطي أكثر من سبعة آلاف مؤسسة صحية. وفي مصر، تم منذ عام 2021 فحص أكثر من 500 ألف مولود للكشف عن 19 مرضاً وراثياً، إضافة إلى إجراء فحوصات السمع لأكثر من سبعة ملايين طفل.
كما أبرز التقرير تجربة ولاية كيرالا الهندية التي أطلقت برنامجاً متكاملاً للكشف عن أمراض القلب الخلقية لدى المواليد، حيث ساهم البرنامج في إجراء أكثر من 12 ألف عملية جراحية وإنقاذ حياة آلاف الأطفال، وخفض معدل وفيات الرضع إلى النصف تقريباً خلال أقل من عقدين.
وشددت منظمة الصحة العالمية على أن نجاح هذه البرامج يرتكز على أربعة عناصر أساسية: الإرادة السياسية، والتمويل المستدام، وبناء أنظمة معلومات صحية فعالة، وضمان العدالة في الوصول إلى خدمات التشخيص والعلاج، خصوصاً في المناطق النائية والفقيرة.
كما دعا التقرير إلى محاربة الوصمة الاجتماعية التي لا تزال تحيط بالأطفال المصابين بالتشوهات الخلقية وأسرهم، مؤكداً أن العبء النفسي والمالي الذي تتحمله العائلات غالباً ما يكون مدمراً، خصوصاً في الدول التي تفتقر إلى أنظمة حماية اجتماعية متينة.
وخلصت المنظمة إلى أن الاستثمار في الكشف المبكر والتكفل بالتشوهات الخلقية لم يعد خياراً صحياً فحسب، بل أصبح استثماراً في رأس المال البشري والتنمية المستدامة، لأن منح كل طفل فرصة لبداية صحية هو شرط أساسي لبناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافاً.
مريم عزون