«متلازمة قوارب الموت»… تشخيص طبي جديد لمعاناة المهاجرين الصامتة

كشف فريق من الباحثين بجامعة لاس بالماس دي غران كناريا (ULPGC) عن دراسة طبية جديدة توصّف لأول مرة ما يُعرف بـ«متلازمة قوارب الهجرة»، وهي مجموعة من الأعراض والمضاعفات الصحية التي تصيب المهاجرين غير النظاميين خلال رحلاتهم البحرية الطويلة والخطيرة من السواحل الإفريقية نحو جزر الكناري.

الدراسة، التي شملت أكثر من مئتي مهاجر وصلوا إلى الأرخبيل الإسباني، تؤكد أن هذه المتلازمة لا تقتصر على حالة طبية واحدة، بل هي مزيج من المعاناة الجسدية الحادة الناتجة عن الجفاف الشديد، وسوء التغذية، والانهاك العضلي، والصدمة النفسية، إضافة إلى مضاعفات أخرى مثل الفشل الكلوي، التهابات الجلد، والانهيار الجسدي الكامل.

ويشير الفريق الطبي إلى أن الرحلة البحرية، التي قد تدوم أكثر من عشرة أيام في عرض المحيط، تضع الجسم البشري في مواجهة قاسية مع العطش، الجوع، أشعة الشمس الحارقة نهارًا، والبرد القارس ليلاً. ويصل كثير من المهاجرين إلى الشواطئ في حالة صحية متدهورة، تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً، وأحياناً إدخالاً فورياً إلى أقسام الإنعاش.

ويأتي هذا الكشف في سياق مأساوي، إذ يشهد «طريق الأطلسي» – أحد أخطر طرق الهجرة في العالم – تدفّقاً متواصلاً لآلاف المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في قوارب متهالكة وغير مؤهلة لعبور البحار. وتشير الإحصائيات إلى أن عام 2023 وحده شهد وصول أكثر من 30 ألف مهاجر إلى جزر الكناري، مقابل آلاف من المفقودين الذين ابتلعهم البحر دون أثر.

الباحثون يدعون اليوم إلى الاعتراف بـ«متلازمة قارب الهجرة» كتشخيص طبي قائم بذاته، يقتضي تدريب الطواقم الطبية في مراكز الاستقبال والمستشفيات، ووضع بروتوكولات علاجية تتناسب مع طبيعة هذه الحالات المعقدة، التي لا تقل خطورة عن الكوارث الإنسانية الكبرى.

إنها دعوة لتوسيع النظرة إلى ملف الهجرة، الذي ظلّ لعقود سجين المقاربة الأمنية والسياسية الضيقة. فما تحمله هذه القوارب ليس فقط جثثاً أو أرقاماً على دفاتر السلطات، بل أجسادٌ منهوكة، وأرواحٌ أنهكها العبور، وندوبٌ لا تلتئم بسهولة. إنها مأساة صامتة تجب تسميتها، تشخيصها، والاعتراف بها… لعلّ الاعتراف أول خطوة نحو الكرامة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد