السل: تهديد مستمر واستجابة علاجية فعالة
رغم التقدّم الطبي الكبير، لا يزال السلّ يشكّل تحديًا صحيًا عالميًا، حيث تصيب العدوى الملايين سنويًا، مع ظهور سلالات مقاومة للعلاج تزيد من تعقيد التعامل مع المرض. في هذا السياق، توضح البروفيسور فريال شوقي، رئيسة مصلحة الأمراض الصدرية بمستشفى بن باديس بقسنطينة وعضو كلّ من الجمعية الجزائرية للأمراض الصدرية واللجنة الوطنية لمكافحة السلّ، أهم الجوانب المتعلقة بانتقال المرض، خيارات العلاج، والتحديات المطروحة.
انتقال العدوى وأعراض المرض
تؤكّد البروفيسور شوقي أنّ السل مرض معدٍ تسببه جرثومة المتفطرة السلية أو عصية كوخ، وهي بكتيريا بطيئة النمو تنتقل عبر الهواء من خلال رذاذ المرضى المصابين. وتضيف: “شخص واحد مصاب بالسلّ غير المعالج يمكنه نقل العدوى إلى ما بين 5 و15 شخصًا سنويًا.”
ورغم أن المرض يصيب الرئتين بشكل أساسي، إلا أنه قد يؤثر على أعضاء أخرى مثل الغدد اللمفاوية أو الغشاء البلوري. وتشير الأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية لعام 2023 إلى تسجيل 1.25 مليون وفاة بسبب السلّ، مع 10.8 مليون إصابة جديدة، بينهم 6 ملايين رجل، 3.6 ملايين امرأة، و1.3 مليون طفل.
لذلك، تشدد البروفيسور على ضرورة التفكير في احتمال الإصابة بالسلّ عند مواجهة أعراض مزمنة مثل السعال المستمر لأسابيع، فقدان الوزن غير المبرر، التعرّق الليلي، والحمى، خاصة في ظل عوامل خطر مثل مخالطة مرضى السل، سوء التغذية، أو ضعف المناعة.
العلاج وإمكانية الشفاء
بحسب البروفيسور شوقي، كان السلّ في أربعينيات القرن الماضي مرضًا بدون علاج فعّال، لكن اليوم، يمكن الشفاء منه عبر بروتوكول يعتمد على مزيج من المضادات الحيوية لمدة لا تقل عن ستة أشهر. ومع ذلك، تستدعي الحالات المقاومة للعلاج فترة أطول قد تصل إلى سنتين.
وتحذّر البروفيسور من التوقّف المبكر عن العلاج، مؤكدةً أن “عدم استكمال البروتوكول العلاجي يزيد من خطر تطوّر مقاومة للبكتيريا، مما يُصعّب من القضاء عليها لاحقًا ويزيد من احتمالية الانتكاسة.”
التطعيم والوقاية
اللقاح الوحيد المتاح حاليًا ضد السلّ هو لقاح الـBCG، الذي يُعطى للرضّع للحماية من الأشكال الحادّة للمرض، مثل التهاب السحايا السليّ أو السلّ المنتشر في الجسم. غير أن فاعليته ضد السلّ الرئوي لدى البالغين تبقى محدودة، مما يستدعي تطوير لقاحات أكثر فاعلية قادرة على كبح انتشار المرض.
الآثار الجانبية للعلاج والتعامل معها
يؤكد الخبراء أن مرضى السلّ يكونون غالبًا حاملين للبكتيريا لعدة أشهر قبل تشخيصهم، ما يزيد من احتمالية إصابة محيطهم. لذا، يُعدّ إرشاد المرضى أمرًا بالغ الأهمية لضمان التزامهم بالعلاج، خاصة فيما يتعلق بالآثار الجانبية التي قد تنجم عن الأدوية المستخدمة، مثل:
• الإيزونيازيد (INH): اضطرابات هضمية، التهاب الكبد، والتهابات عصبية تستدعي تناول فيتامين B6.
• الريفامبيسين (RMP): تفاعلات تحسسية، وتلوّن البول والإفرازات باللون البرتقالي.
• الإيثامبوتول (EMB): التهاب العصب البصري، خاصة لدى المصابين بأمراض الكلى أو المدمنين على الكحول.
• البيرازيناميد (PZA): سمّية كبدية وارتفاع نسبة حمض اليوريك في الدم.
لماذا تختلف شدة المرض بين المصابين؟
تختلف استجابة الجسم للسلّ من شخص لآخر، حيث قد يظل بعض الأشخاص حاملين للجرثومة دون أن تتطوّر لديهم الأعراض، في حين يصاب آخرون بأشكال شديدة من المرض.
وتوضح البروفيسور شوقي أن ذلك يعتمد على عدّة عوامل، من بينها:
• ضعف المناعة (الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة، الأمراض السرطانية، العلاجات المثبطة للمناعة).
• العمر (الأطفال الصغار وكبار السن أكثر عرضة للمضاعفات).
• الأمراض المزمنة (السكري، الفشل الكلوي، سوء التغذية).
• الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة (التدخين، الإدمان، الحياة في أماكن مكتظة).
وتؤكّد البروفيسور على أن الكشف المبكر والمتابعة الطبية المنتظمة يبقيان الحلّ الأنجع لتفادي تطوّر المرض نحو مضاعفات خطيرة.
مالك سعدو