الهواء المسموم: كارثة خفية تهدد العالم
في ظل تسارع الأزمات البيئية، يكشف تقرير جديد عن كارثة صحية صامتة تهدد البشرية: 83% من مدن العالم تعاني من تلوث الهواء، ولا تلتزم سوى 17% منها بالمعايير الدولية لجودة الهواء. هذه الأرقام الصادمة جاءت في تقرير صادر عن قاعدة البيانات السويسرية IQAir، التي حلّلت بيانات من 40,000 محطة مراقبة في 138 دولة، مسلطةً الضوء على المناطق الأكثر تضررًا من التلوث الهوائي.
تشاد، الكونغو، بنغلاديش، باكستان، والهند تصدرت قائمة الدول الأكثر تلوثًا، حيث استأثرت الهند وحدها بست مدن من بين أكثر تسع مدن تلوثًا في العالم، وعلى رأسها مدينة بيرنيهات الصناعية. لكن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الصورة الكاملة، إذ يشير الخبراء إلى أن الوضع قد يكون أكثر خطورة في ظل النقص الحاد في محطات المراقبة، خاصة في إفريقيا، حيث لا يوجد سوى محطة واحدة لكل 3.7 مليون نسمة، مما يجعل قياس التلوث بشكل دقيق أمرًا بالغ الصعوبة.
ورغم الجهود المبذولة لمكافحة التلوث الهوائي، تلقّت هذه الجهود ضربة موجعة مؤخرًا بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية وقف نشر بيانات جودة الهواء الصادرة عن سفاراتها وقنصلياتها حول العالم، مما يُنذر بغياب مصدر مهم للشفافية في هذا المجال. وفي المقابل، لا تزال التقارير الصحية تحذر من التداعيات الخطيرة لهذا التلوث، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء يقتل 7 ملايين شخص سنويًا، متسببًا في أمراض تنفسية، ومرض ألزهايمر، والسرطان، وفقًا لما أكدته فاطمة أحمد، كبيرة العلماء في مركز صنواي للصحة الكوكبية بماليزيا. وتعليقًا على خطورة الظاهرة، قالت: “إذا كانت المياه ملوثة، يمكن للناس الانتظار لبعض الوقت للحصول على مياه نظيفة، ولكن إذا كان الهواء ملوثًا، فلا يمكننا أن نطلب منهم التوقف عن التنفس.”
رغم هذه التحديات، تمكنت بعض المدن من تحقيق تحسن ملحوظ في جودة الهواء بفضل سياسات بيئية أكثر صرامة، كما هو الحال في بكين وسيول وريبنيك (بولندا)، حيث تم تشديد الرقابة على الانبعاثات الصادرة عن المركبات والمحطات الكهربائية والصناعات، مع التوجه نحو مصادر الطاقة النظيفة والاستثمار في وسائل النقل العام. على المستوى الإقليمي، تبذل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) جهودًا للحد من التلوث العابر للحدود الناجم عن حرائق الغابات، رغم محدودية النتائج حتى الآن.
لكنّ حل هذه الأزمة لا يقتصر على التدابير المحلية، بل يرتبط بشكل وثيق بمكافحة التغير المناخي، حيث تؤكد شويتا نارايان، الناشطة في التحالف العالمي للمناخ والصحة، أن المناطق الأكثر تلوثًا هي نفسها التي تشهد انبعاثات عالية لغازات الاحتباس الحراري، مما يجعل تقليل هذه الانبعاثات خطوة حاسمة ليس فقط لمكافحة الاحترار العالمي، بل أيضًا لإنقاذ الملايين من استنشاق هواء قاتل. وكما قالت: “التغير المناخي وتلوث الهواء وجهان لعملة واحدة.”
فاطمة الزهراء عاشور