دخان في قلب البيوت: تلوث الهواء المنزلي يقتل بصمت ملايين البشر حول العالم

رغم أن الاهتمام العالمي ينصبّ غالبًا على تلوث الهواء الخارجي في المدن الصناعية والمناطق الحضرية، تحذّر منظمة الصحة العالمية من خطر صحي أقل ظهورًا لكنه أشد فتكًا، يتمثل في تلوث الهواء داخل المنازل. هذا الخطر الصامت يهدد حياة مليارات الأشخاص، لا سيما في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، حيث لا تزال وسائل الطهي والتدفئة التقليدية جزءًا من الحياة اليومية.

وتشير معطيات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 2.1 مليار شخص حول العالم يعتمدون على وقود ملوث مثل الحطب، وروث الحيوانات، وبقايا المحاصيل، والفحم، والكيروسين، داخل منازلهم، غالبًا باستخدام مواقد بدائية أو مطابخ سيئة التهوية. ويؤدي احتراق هذه المواد إلى انبعاث جسيمات دقيقة وغازات سامة، قادرة على اختراق الجهاز التنفسي والوصول إلى مجرى الدم، محدثة أضرارًا صحية جسيمة.

وتُظهر الأرقام أن تلوث الهواء المنزلي يتسبب سنويًا في وفاة حوالي 2.9 مليون شخص قبل أوانهم، من بينهم أكثر من 300 ألف طفل دون سن الخامسة. كما يُقدَّر أن ملايين الأشخاص يفقدون سنوات من حياتهم الصحية نتيجة أمراض مرتبطة مباشرة بهذا النوع من التلوث، ما يجعله أحد أبرز أسباب الوفاة والمرض التي يمكن الوقاية منها على المستوى العالمي.

وترتبط هذه الانبعاثات بأمراض خطيرة تشمل التهابات الجهاز التنفسي الحادة، ومرض الانسداد الرئوي المزمن، وأمراض القلب، والسكتات الدماغية، إضافة إلى سرطان الرئة. وتتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر من هذه المخاطر، بحكم بقائهم لفترات أطول داخل المنازل ومشاركتهم المباشرة في أنشطة الطهي وجمع الوقود، ما يعمّق أوجه عدم المساواة الصحية والاجتماعية.

ولا يقتصر أثر تلوث الهواء المنزلي على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد إلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية. فجمع الوقود التقليدي يستنزف وقت النساء والفتيات، ويحدّ من فرص التعليم والعمل، فضلًا عن المخاطر الجسدية المرتبطة بهذه المهام. ومع استمرار نقص الوصول إلى مصادر الطاقة النظيفة، تتوقع منظمة الصحة العالمية أن يظل نحو 1.8 مليار شخص محرومين من حلول الطهي الصحية بحلول عام 2030، إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة أن الانتقال إلى الوقود النظيف، مثل الغاز الطبيعي، والغاز المسال، والكهرباء، والطاقة الشمسية، إلى جانب تحسين تهوية المساكن، يمثل أحد أكثر التدخلات فعالية لحماية الصحة العامة. كما تعمل على دعم الدول من خلال وضع إرشادات ومعايير دولية، وتقديم الدعم التقني، وتعزيز التنسيق بين سياسات الصحة والطاقة.

وتخلص منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء داخل المنازل ليس مشكلة تقنية أو بيئية فحسب، بل أزمة صحية عالمية تتطلب استجابة سياسية وتنموية شاملة. فالحد من هذا الخطر يعني إنقاذ ملايين الأرواح، وتحسين جودة الحياة، ووضع أسس أكثر عدالة لصحة الإنسان والتنمية المستدامة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد