منظمة الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر: موجات الحر أصبحت تهديداً صحياً قاتلاً وتتطلب استجابة عاجلة
حذرت منظمة الصحة العالمية من أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة مناخية موسمية، بل تحولت إلى أحد أخطر التهديدات الصحية التي تواجه المجتمعات في القرن الحادي والعشرين، في ظل الارتفاع المتسارع لدرجات الحرارة الناتج عن التغير المناخي. وفي هذا السياق، أطلقت المنظمة دليلاً جديداً لمساعدة الحكومات والسلطات المحلية على تعزيز جاهزيتها وحماية السكان من الآثار الصحية المتزايدة للحر الشديد.
وجاء إطلاق الدليل بمناسبة “يوم العمل من أجل التصدي للحر”، في وقت تشهد فيه مناطق واسعة من العالم، ولا سيما أوروبا، ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة وتكراراً متزايداً لموجات الحر الطويلة والشديدة. وتؤكد المنظمة أن هذه الظاهرة باتت مسؤولة عن آلاف الوفيات سنوياً، فضلاً عن تفاقم الأمراض القلبية والتنفسية والكلوية، وزيادة الضغط على المستشفيات وخدمات الرعاية الصحية.
وترى منظمة الصحة العالمية أن المخاطر المرتبطة بالحرارة المفرطة لا تقتصر على الأشخاص الذين يعملون أو يتنقلون في الأماكن المكشوفة، بل تمتد إلى داخل المنازل والمؤسسات الصحية والاجتماعية، خاصة بالنسبة لكبار السن والأطفال والنساء الحوامل والمصابين بالأمراض المزمنة. وتزداد هذه المخاطر في المدن الكبرى التي تعاني من ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، حيث تحتفظ المباني والطرق بالإشعاع الحراري لفترات طويلة.
ولمواجهة هذا التحدي المتنامي، قدمت المنظمة نسخة محدثة من دليل “خطط العمل الخاصة بالصحة والحرارة”، وهو مرجع عملي يستند إلى أحدث الأدلة العلمية والخبرات الدولية. ويقترح الدليل مجموعة من التدابير الأساسية تشمل إنشاء أنظمة إنذار مبكر فعالة، وتعزيز حملات التوعية العامة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وضمان جاهزية المؤسسات الصحية، إضافة إلى إدماج الاعتبارات المناخية في التخطيط العمراني وتصميم المدن.
وأكدت المنظمة أن الاستعداد المسبق لموجات الحر يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح ويقلل بشكل كبير من الأعباء الصحية والاقتصادية الناجمة عنها. كما شددت على أن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على التدخل أثناء فترات الحر الشديد، بل يجب أن يصبح جزءاً من السياسات الوطنية للصحة العامة والتكيف مع التغيرات المناخية.
وتشير التقديرات العلمية إلى أن السنوات الأخيرة سجلت مستويات قياسية من درجات الحرارة على المستوى العالمي، وهو اتجاه مرشح للاستمرار خلال العقود المقبلة. ومع تزايد عدد السكان في المدن وارتفاع نسبة كبار السن، تتوقع الهيئات الصحية الدولية أن تصبح موجات الحر أكثر فتكاً إذا لم يتم تعزيز إجراءات الوقاية والاستعداد.
وفي رسالتها إلى الحكومات وصناع القرار، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، والبنية التحتية المقاومة للحرارة، وحماية الفئات الهشة، لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل ضرورة صحية ملحة. فمع كل صيف جديد، تتحول موجات الحر من حدث استثنائي إلى واقع متكرر، ما يجعل القدرة على التكيف معها أحد أبرز التحديات الصحية والإنسانية في العالم المعاصر.
فاطمة الزهراء عاشور