تلوث الهواء إلى مستوى غير مسبوق: 91% من دول العالم خارج المعايير الصحية

يرسم World Air Quality Report صورة قاتمة لمستقبل جودة الهواء في العالم، كاشفاً عن تسارع مقلق في وتيرة التلوث، مدفوعاً بتقاطع العوامل المناخية والهيكلية، وعلى رأسها حرائق الغابات والعواصف الترابية التي باتت تضاعف من حجم الأزمة وتوسّع نطاقها الجغرافي.

ويعتمد التقرير على بيانات IQAir، وهي شركة سويسرية متخصصة في رصد جودة الهواء، تدير شبكة عالمية من محطات القياس وتُعد مرجعاً معتمداً في تتبع مستويات التلوث. وتكشف هذه البيانات أن نحو 91% من دول العالم تتجاوز مستويات الجسيمات الدقيقة (PM2.5) الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، المحددة عند 5 ميكروغرامات/م³ كمعدل سنوي.

في المقابل، لم تتمكن سوى 13 دولة فقط من الالتزام بهذه المعايير خلال عام 2025، في مؤشر يعكس ضيق هامش الهواء النظيف عالمياً. أما في المناطق الأكثر تلوثاً، فقد تجاوزت مستويات الجسيمات الدقيقة الحدود الصحية بما يصل إلى 13 ضعفاً، ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر صحية مباشرة ومستمرة.

لكن ما يثير القلق بشكل أكبر، وفق التقرير، هو التحول في طبيعة التلوث. فإلى جانب المصادر التقليدية المرتبطة بالصناعة والنقل، برزت عوامل مناخية كقوة مضاعِفة للأزمة. فقد أدت حرائق الغابات واسعة النطاق إلى إطلاق كميات ضخمة من الملوثات، انتشرت عبر آلاف الكيلومترات، متجاوزة الحدود الوطنية. كما ساهمت العواصف الترابية، التي ازدادت شدة وتكراراً، في رفع مستويات التلوث في مناطق شاسعة تمتد عبر قارات بأكملها.

هذا الواقع الجديد يعكس تحوّلاً عميقاً: تلوث عابر للحدود، لا يمكن احتواؤه بسياسات محلية، بل يتطلب استجابة دولية منسقة، تأخذ بعين الاعتبار الترابط بين المناخ وجودة الهواء.

ويُبرز التقرير أيضاً اختلالاً هيكلياً في منظومة الرصد، إذ لا تزال مناطق واسعة، خاصة في إفريقيا، تعاني من نقص حاد في محطات قياس جودة الهواء، رغم أنها تضم نسبة كبيرة من سكان العالم. هذا الغياب للبيانات لا يقل خطورة عن التلوث نفسه، لأنه يحدّ من القدرة على تقييم المخاطر ووضع سياسات فعالة.

صحياً، تتجاوز تداعيات هذه الأزمة حدود البيئة، إذ ترتبط الجسيمات الدقيقة بزيادة أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب، فضلاً عن ارتفاع معدلات الوفيات المبكرة، ما يجعل تلوث الهواء أحد أبرز التهديدات الصحية في العالم اليوم.

الخلاصة التي يفرضها التقرير واضحة: العالم لا يواجه مجرد تلوث متزايد، بل تحولاً نوعياً في مصادره وانتشاره. وبينما تتوفر حلول تقنية للحد من الانبعاثات، يبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه المعطيات إلى سياسات جريئة واستثمارات مستدامة، قبل أن تتحول أزمة الهواء إلى واقع صحي يصعب احتواؤه.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد