التجهيزات الطبية في الجزائر: نحو ضبط الاقتناء وتحسين الصيانة وتقليص الأعطال
تتجه وزارة الصحة إلى اعتماد آليات جديدة لتنظيم اقتناء التجهيزات الطبية وتوزيعها وصيانتها داخل المؤسسات الصحية، في مسعى لتحسين استغلال المعدات المتوفرة والحد من الاختلالات التي قد تؤثر على استمرارية الخدمات الطبية. ويستند هذا التوجه إلى المرجع الوطني للتجهيزات الصحية، الذي قدمت الوزارة، الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، تفاصيل إضافية بشأن تطبيقه وآليات تسييره، بعد الإعلان عن إطلاقه في شهر جوان الماضي.
ويهدف هذا المرجع إلى الانتقال من اقتناء المعدات الطبية بناءً على الطلبات المقدمة من المؤسسات الصحية إلى تحديد الاحتياجات وفق معايير علمية وتقنية، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الخدمات المقدمة وحجم النشاط الطبي والموارد البشرية والإمكانات المتاحة لتشغيل التجهيزات وصيانتها.
وأوضح وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، خلال لقاء احتضنه مقر الوزارة، أن المرجع يشمل 38 تخصصًا طبيًا وثمانية أقطاب تقنية، ويضم 716 نوعًا من التجهيزات الصحية و1403 استعمالات، مع تحديد المعدات الملائمة لكل تخصص ولكل مستوى من مستويات الرعاية الصحية.
ويعتمد المرجع أربعة مستويات للرعاية، تُصنف ضمنها التجهيزات إلى معدات إلزامية أو موصى بها أو غير ملائمة، وفق طبيعة المؤسسة الصحية ومهامها. ومن شأن هذا التصنيف أن يساعد على تجنب اقتناء معدات لا تتناسب مع احتياجات المؤسسات أو قدراتها الفعلية على استغلالها.
وتبرز أهمية هذه المقاربة خصوصًا في مجال التجهيزات الطبية مرتفعة التكلفة، التي لا يتوقف تشغيلها عند توفير الاعتمادات المالية لاقتنائها، بل يتطلب أيضًا توفر الكفاءات المؤهلة والبنية التحتية المناسبة وقطع الغيار والمواد الاستهلاكية وخدمات الصيانة.
وفي هذا السياق، أكد الوزير أن تقييم تكلفة التجهيزات لن يقتصر على سعر الشراء، بل سيشمل مجمل النفقات المرتبطة بها طوال فترة استعمالها، بما فيها التركيب والتكوين والصيانة وقطع الغيار. ويُفترض أن تسمح هذه المقاربة باتخاذ قرارات استثمارية أكثر دقة، مع مراعاة تكاليف التشغيل والاستغلال على المدى الطويل.
ومن أبرز الجوانب التي تناولها العرض، رقمنة متابعة التجهيزات الطبية من خلال منصة «SMES»، التي أعلن الوزير أن نسبة تشغيلها بلغت 100 بالمائة. وتتيح هذه المنصة تسجيل المعدات ومتابعة حالتها التشغيلية والأعطال التي تصيبها، إلى جانب تدخلات الصيانة والعقود المرتبطة بها.
غير أن بلوغ المنصة هذه النسبة من التشغيل لا يعني بالضرورة أن جميع التجهيزات الطبية الموجودة بالمؤسسات الصحية تعمل بصورة طبيعية، إذ يبقى قياس فعاليتها مرتبطًا بدقة البيانات المسجلة وانتظام تحيينها ومدى الاستفادة منها في معالجة الأعطال وتحسين جاهزية المعدات.
ومن المنتظر أن تساهم المعلومات التي توفرها المنصة في إعداد أطلس وطني للتجهيزات الصحية، يسمح بتحديد توزيع المعدات عبر المؤسسات والولايات، ومعرفة حالتها التشغيلية ورصد مناطق العجز. وقد يشكل ذلك أداة مهمة لتوجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تعاني نقصًا في بعض التجهيزات، بما يساهم في تحسين فرص الحصول على الفحوص والعلاجات المتخصصة.
كما تطرق الوزير إلى تنظيم عملية استبدال المعدات الطبية وفق معايير تشمل سلامتها وعمرها التشغيلي وتكاليف صيانتها ومدى جاهزيتها للاستعمال، بدل الاعتماد على عمرها وحده أو اللجوء إلى استبدالها دون تقييم تقني شامل.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن الإطار التنظيمي الذي حدده القرار الوزاري الصادر في 28 جوان 2026، والمتعلق بتنظيم تسيير التجهيزات الصحية ومتابعتها وتقييمها، من خلال لجان على مستوى المؤسسات الصحية ومديريات الصحة بالولايات ولجنة وطنية مختصة.
ورغم أهمية هذه الآليات، فإن التحدي الأساسي سيبقى مرتبطًا بمدى تطبيقها داخل المؤسسات الصحية، خصوصًا في ما يتعلق بتوفير الصيانة المنتظمة والموارد البشرية المؤهلة والاعتمادات الضرورية لاستمرار تشغيل المعدات.
ولم يتضمن العرض المعلن معطيات تفصيلية حول العدد الإجمالي للتجهيزات الطبية الموجودة بالمؤسسات العمومية، أو نسبة المعدات المتوقفة عن العمل، أو متوسط مدة إصلاح الأعطال. وهي مؤشرات من شأنها أن تسمح مستقبلًا بتقييم النتائج الفعلية لهذه المنظومة.
فنجاح المرجع الوطني لن يتحدد بعدد التجهيزات المصنفة أو حجم البيانات التي تجمعها المنصة الرقمية، وإنما بقدرته على تحسين جاهزية المعدات الطبية وتقليص فترات توقفها، وضمان استفادة المرضى منها في الوقت والمكان المناسبين.
مريم عزون