القوافل الطبية في الجنوب والهضاب العليا: حين تصبح استمرارية العلاج التحدي الأكبر
أعادت الطبعة السادسة للقوافل الطبية التطوعية المتنقلة، التي أُطلقت الاثنين 2 نوفمبر 2026، تسليط الضوء على مسألة الوصول إلى الخدمات الصحية المتخصصة في المناطق النائية والحدودية بالجزائر، لا سيما في ولايات الجنوب والهضاب العليا. فبينما تكشف حصيلة الطبعات السابقة عن استفادة عشرات الآلاف من المواطنين من الفحوصات والعلاجات، تطرح هذه المبادرات تساؤلات تتعلق باستمرارية التكفل بالمرضى بعد مغادرة الفرق الطبية، ومدى قدرة المؤسسات الصحية المحلية على تلبية احتياجات السكان بصورة منتظمة.
وبحسب الأرقام التي كشفت عنها وزارة الصحة، سمحت الطبعات الخمس السابقة، المنظمة بين سنتي 2020 و2025، بإجراء 65 ألفًا و935 استشارة وفحصًا طبيًا في مختلف التخصصات، إلى جانب إنجاز 5028 تدخلًا وعملًا جراحيًا متخصصًا، شملت جراحة الأطفال والجراحة العامة وأمراض النساء والتوليد وجراحة العظام والأعصاب والعيون والأنف والأذن والحنجرة والمسالك البولية، فضلًا عن جراحة الحروق والتجميل. وقد امتدت هذه العمليات إلى 41 ولاية، ما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للمبادرة وتنوع الاحتياجات الصحية التي سعت إلى الاستجابة لها.
ولم تقتصر التدخلات على الفحوصات والعلاجات الجسدية، إذ شملت أيضًا إجراء 4600 تقييم وفحص نفسي لفائدة الأطفال وكبار السن، خاصة في المناطق المتضررة من حرائق الغابات. كما تضمنت تنظيم 78 ورشة تكوينية استفاد منها 310 من مهنيي الصحة المحليين، وتنفيذ 324 حملة تحسيسية وتوعوية، إلى جانب متابعة 12 حالة طبية معقدة على مستوى المراكز الاستشفائية الجامعية.
وتكتسي هذه المبادرات أهمية خاصة بالنسبة إلى سكان المناطق التي تفصلها مسافات طويلة عن المراكز الاستشفائية الكبرى، حيث قد يتطلب الحصول على استشارة متخصصة التنقل إلى ولايات أخرى، بما يترتب عن ذلك من أعباء مادية وتنظيمية على المرضى وعائلاتهم. ويصبح تقريب الخدمات الطبية من أماكن الإقامة أكثر أهمية بالنسبة إلى كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة والأشخاص الذين يحتاجون إلى متابعة طبية دورية.
غير أن أهمية هذه القوافل لا تُقاس بعدد الاستشارات والعمليات الجراحية المنجزة فحسب، بل بقدرتها على ضمان استمرار التكفل بالحالات التي يتم اكتشافها أو تشخيصها خلال الزيارات الميدانية. فبعض الأمراض تتطلب فحوصات إضافية أو علاجات طويلة الأمد أو مراقبة منتظمة لدى أطباء متخصصين، وهي خدمات لا يمكن أن توفرها الحملات الطبية المؤقتة بمفردها.
ومن هذا المنطلق، تبرز مسألة التنسيق بين الفرق الطبية المتنقلة والمؤسسات الصحية المحلية والمستشفيات المرجعية باعتبارها أحد أهم شروط نجاح هذه العمليات. فالكشف عن مرض يستدعي تدخلًا متخصصًا يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يحقق الغاية المرجوة ما لم يتمكن المريض من استكمال الفحوصات والحصول على العلاج المناسب في آجال معقولة.
وتشير الحصيلة الرسمية إلى متابعة 12 حالة معقدة على مستوى المراكز الاستشفائية الجامعية، لكنها لا تقدم معطيات تفصيلية حول العدد الإجمالي للمرضى الذين استدعت حالاتهم إحالتهم إلى مؤسسات صحية أخرى، أو مدى استمرارية متابعتهم بعد انتهاء تدخلات القوافل. وهي مؤشرات من شأنها أن تساعد على تقييم الأثر الصحي الفعلي لهذه المبادرات، إلى جانب الأرقام المتعلقة بحجم النشاط الطبي المنجز.
وفي هذا السياق، تستهدف الطبعة السادسة عددًا من مناطق الجنوب والهضاب العليا، من بينها عين قزام وبرج باجي مختار وتيميمون وبشار والمنيعة والنعامة والأغواط، إضافة إلى مناطق أخرى. وتُنظم هذه المبادرة بالتنسيق مع الشبكة الجزائرية للشباب، بمشاركة أطباء ومهنيين في الصحة من مختلف التخصصات.
وكان وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، قد أكد خلال مراسم الإطلاق أهمية تعزيز التنسيق بين الفرق الطبية المتنقلة والمؤسسات الصحية المحلية والمراكز الاستشفائية المرجعية، بما يسمح بضمان استمرارية التكفل، انطلاقًا من الفحص الأولي وصولًا إلى التشخيص والعلاج والمتابعة الطبية. كما شدد على دور الشراكة مع الجمعيات والمجتمع المدني في تحديد الاحتياجات الصحية للسكان وتوجيه التدخلات وفق خصوصيات كل منطقة.
وتطرح هذه التجربة، بعد ست طبعات متتالية، مسألة أوسع تتعلق بكيفية الاستفادة من نتائج القوافل الطبية في تحسين التخطيط الصحي المحلي. فالمعطيات التي تجمعها الفرق المشاركة حول الأمراض الأكثر انتشارًا والتخصصات الأكثر طلبًا والصعوبات التي يواجهها المرضى، يمكن أن تشكل مصدرًا مهمًا لتحديد الأولويات وتعزيز الخدمات الصحية الدائمة في المناطق المعنية.
كما أن التكوين الموجه إلى مهنيي الصحة المحليين يمثل جانبًا يستحق اهتمامًا خاصًا، باعتباره فرصة لنقل الخبرات وتعزيز قدرات المؤسسات الصحية على التكفل ببعض الحالات دون الحاجة إلى تحويل المرضى بصورة متكررة نحو المستشفيات الكبرى.
وبين أهمية العمل التطوعي وضرورة تطوير التغطية الصحية الدائمة، لا ينبغي النظر إلى القوافل الطبية باعتبارها بديلًا عن المؤسسات الصحية المحلية، وإنما وسيلة لدعمها والاستجابة لبعض الاحتياجات التي يصعب تلبيتها في الظروف العادية. فنجاح هذه المبادرات لا يتوقف عند وصول الفرق الطبية إلى المناطق البعيدة، بل يمتد إلى ما يحدث بعد مغادرتها.
ويبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من تقريب العلاج إلى المواطن خلال فترات محدودة، إلى ضمان حصوله عليه بصورة منتظمة ومستدامة، بصرف النظر عن مكان إقامته. وهو رهان يتجاوز العمل التطوعي، مهما بلغت أهميته، ليطرح مسألة الإنصاف في توزيع الخدمات الصحية المتخصصة عبر مختلف مناطق البلاد.
مريم عزون