الإنعاش الطبي في الجزائر: ضغط متزايد على المصالح وتكوين 1200 مستخدم في علوم التخدير

تواجه مصالح الإنعاش الطبي في الجزائر تحديات متزايدة تتعلق بقدرات الاستقبال وتوزيع الإمكانيات عبر المؤسسات الاستشفائية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير التكفل بالمرضى الذين تستدعي حالاتهم الصحية تدخلاً طبياً عاجلاً ومراقبة مستمرة. وتأتي هذه التحديات في صلب النقاشات التي يطرحها المؤتمر الدولي الأول والمؤتمر الوطني الرابع للجمعية الجزائرية للإنعاش الطبي، الذي افتُتحت أشغاله مساء الأربعاء 28 أكتوبر 2026، بفندق الميركيور بالعاصمة.

واعترفت وزارة الصحة، خلال افتتاح المؤتمر المنظم تحت شعار «الإنعاش الطبي في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين»، بالضغط المتزايد الذي تواجهه مصالح الإنعاش، مشيرة إلى ضرورة تعزيز قدراتها الاستيعابية وتحسين توزيعها على مختلف مناطق الوطن، بما يسمح بتوفير الرعاية اللازمة للمرضى في الحالات الحرجة، بغض النظر عن مكان إقامتهم.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الحالات التي تستقبلها مصالح الإنعاش، من المرضى المصابين باختلالات حادة في وظائف الأعضاء إلى الحالات التي تتطلب أجهزة تنفس اصطناعي ومراقبة دقيقة ومتواصلة للمؤشرات الحيوية. ولا يرتبط تحسين التكفل بهؤلاء المرضى بتوفير الأسرة والتجهيزات الطبية فحسب، بل يتطلب أيضاً وجود فرق صحية مؤهلة قادرة على التدخل السريع والعمل بتنسيق مستمر.

وفي هذا السياق، كشف وزير الصحة، البروفيسور محمد صديق آيت مسعودان، في كلمة ألقاها نيابة عنه رئيس ديوانه الدكتور حاج معطي خليل رضا، عن استئناف التكوين العالي في مجال التخدير، والتحاق 1200 مستخدم بمسار تكويني يتوج بالحصول على شهادة الماستر في علوم التخدير. وتندرج هذه الخطوة ضمن مساعي تعزيز التأهيل العلمي والمهني للعاملين في هذا المجال، الذي يشكل أحد المكونات الأساسية للتكفل بالمرضى على مستوى مصالح التخدير والإنعاش.

غير أن الإعلان عن هذا البرنامج التكويني يطرح أيضاً مسألة مدى قدرة المؤسسات الاستشفائية على الاستفادة من الكفاءات المؤهلة، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى تعزيز مواردها البشرية المتخصصة. ولم تتضمن المعطيات المقدمة خلال الافتتاح تفاصيل بشأن مدة التكوين أو التوزيع المستقبلي للمستفيدين منه على المؤسسات الصحية.

كما أعادت أشغال المؤتمر إلى الواجهة مسألة جاهزية المستشفيات لمواجهة الحالات الصحية الحرجة والأزمات الاستثنائية، بعد أن كشفت جائحة كوفيد-19 عن الأهمية الحيوية لمصالح الإنعاش وضرورة ضمان استمرارية عملها في مختلف الظروف. وفي هذا الإطار، أوضحت وزارة الصحة أن القطاع يتجه نحو استحداث مصالح ووحدات للإنعاش الطبي ضمن المؤسسات الاستشفائية الجديدة، مع توفير التجهيزات والكفاءات الضرورية لتشغيلها.

ولا تقتصر التحديات المطروحة على الجوانب التنظيمية والبشرية، إذ يشهد تخصص الإنعاش الطبي تطورات علمية وتكنولوجية متسارعة، تشمل تقنيات التهوية الاصطناعية وأنظمة المراقبة المستمرة للوظائف الحيوية، فضلاً عن التطبيقات المحتملة للذكاء الاصطناعي في دعم القرارات الطبية. غير أن الاستفادة من هذه التطورات تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات الصحية على إدماجها في الممارسة اليومية، وضمان التكوين المستمر للفرق الطبية وشبه الطبية.

وتحظى الوقاية من العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية وترشيد استعمال المضادات الحيوية بمكانة مهمة ضمن التحديات التي تواجه هذا التخصص، بالنظر إلى هشاشة الحالة الصحية للمرضى الموجودين في الإنعاش، وحاجتهم المتكررة إلى تدخلات وأجهزة طبية قد تزيد من مخاطر الإصابة بالعدوى.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية البحث العلمي في تقييم الممارسات العلاجية وتطوير بروتوكولات التكفل، بما يسمح بتكييف التوصيات العلمية الدولية مع واقع المؤسسات الصحية الجزائرية وإمكانياتها. كما يشكل التعاون بين المستشفيات والجامعات والجمعيات العلمية فرصة لتبادل الخبرات وتحسين الممارسات المهنية، خاصة في مجال التكفل بالحالات المعقدة.

ويجمع المؤتمر، الذي تنظمه الجمعية الجزائرية للإنعاش الطبي في طبعته الوطنية الرابعة والأولى دولياً، خبراء وممارسين جزائريين وأجانب لمناقشة التحولات التي يشهدها هذا التخصص والسبل الكفيلة بمواكبتها. وتراهن الجمعية على تعزيز التبادل العلمي وتطوير التكوين المستمر، في وقت أصبحت فيه جودة خدمات الإنعاش أحد المؤشرات المهمة لقدرة المنظومات الصحية على الاستجابة للحالات الأكثر خطورة.

وبين الحاجة إلى توسيع قدرات الاستقبال، وتوفير الموارد البشرية المتخصصة، ومواكبة التطورات العلمية، يظل التحدي الأساسي بالنسبة إلى مصالح الإنعاش في الجزائر هو ضمان حصول المرضى على الرعاية المناسبة في الوقت المناسب. وهو تحدٍّ لا يتوقف عند اقتناء التجهيزات الحديثة أو فتح وحدات جديدة، بل يرتبط كذلك بمدى جاهزيتها الفعلية للعمل، واستمرارية خدماتها، وقدرتها على الاستجابة لاحتياجات المرضى في مختلف مناطق البلاد.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد