سرطان الثدي: كيف تغيّر التحاليل الجزيئية والذكاء الاصطناعي طرق التشخيص والعلاج؟

لم يعد التعامل مع سرطان الثدي يعتمد على تحديد حجم الورم وموقعه ومرحلة تطوره فحسب، بل أصبح فهم خصائصه البيولوجية والجزيئية عاملاً أساسياً في اختيار العلاج المناسب لكل مريضة. ويعكس هذا التحول التقدم الذي يشهده طب الأورام، مع تطور التحاليل الجينية وظهور تقنيات جديدة تتيح دراسة الأورام بدقة أكبر، إلى جانب الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية ومساعدة الأطباء على اتخاذ القرارات العلاجية.

هذه التطورات كانت محور يوم علمي وتكويني احتضنه المركز الاستشفائي الجامعي بوهران، اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026، بمناسبة شهر التوعية بسرطان الثدي، بمشاركة أطباء وباحثين من تخصصات متعددة، شملت الكيمياء الحيوية وطب الأورام والأشعة والجراحة وأمراض النساء والتشريح المرضي والعلاج بالأشعة. ونُظم اللقاء بمبادرة من مصلحة الكيمياء الحيوية، تحت إشراف البروفيسور سعدي أوسليم، بهدف مناقشة المستجدات العلمية وإمكانيات توظيفها في تحسين التكفل بالمريضات.

ومن أبرز التحولات التي تناولها المشاركون الانتقال نحو ما يُعرف بالطب الدقيق، الذي يقوم على دراسة الخصائص البيولوجية للورم قبل تحديد الخيارات العلاجية. فسرطان الثدي ليس مرضاً واحداً متشابهاً لدى جميع المصابات، وإنما يضم أنواعاً تختلف في سلوكها واستجابتها للأدوية. وتسمح بعض المؤشرات الحيوية، مثل المستقبلات الهرمونية وبروتين HER2، بتحديد العلاجات التي قد تكون أكثر فعالية، بما يساعد على تجنب بعض التدخلات غير الضرورية واختيار العلاج وفق الحالة الطبية لكل مريضة.

وتطرق اللقاء أيضاً إلى التقنيات الجزيئية الحديثة، ومنها الخزعة السائلة التي تعتمد على تحليل عينات من الدم للبحث عن مؤشرات مرتبطة بالخلايا السرطانية، بما في ذلك أجزاء من الحمض النووي التي قد تطلقها الأورام في الدورة الدموية. وتثير هذه التقنية اهتماماً متزايداً في الأبحاث المتعلقة بمتابعة تطور السرطان والكشف عن بعض التغيرات الجينية المرتبطة بمقاومة العلاج. غير أن استخدامها لا يزال يخضع لضوابط علمية، ولا يمكن اعتبارها بديلاً عاماً عن الخزعة النسيجية أو عن وسائل الكشف المبكر المعتمدة، كما أن فائدتها في المراقبة الروتينية لاحتمال عودة سرطان الثدي لم تثبت بعد بصورة تسمح بتعميمها.

وفي مجال التصوير الطبي، ناقش المختصون الدور الذي يمكن أن تؤديه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مساعدة أطباء الأشعة على تحليل صور الثدي والتعرف على التغيرات التي تستدعي فحوصاً إضافية. وتكمن أهمية هذه التطبيقات في قدرتها على معالجة كميات كبيرة من المعلومات واستخراج مؤشرات قد تدعم دقة التقييم الطبي، لكنها تظل أدوات مساعدة تتطلب التحقق من فعاليتها في الظروف السريرية الفعلية، ولا يمكن أن تحل محل خبرة الطبيب أو التقييم المتكامل لحالة المريضة.

ولم تقتصر المناقشات على التشخيص والعلاج الدوائي، بل شملت أيضاً التعامل مع مضاعفات المرض، خصوصاً انتقال الخلايا السرطانية إلى العظام، وهي من الحالات التي تستدعي تعاوناً بين أطباء الأورام وجراحة العظام والتخصصات المعنية بعلاج الألم والحفاظ على القدرة الحركية للمريضات. ويعكس تنوع هذه المحاور أهمية التنسيق بين التخصصات الطبية في مختلف مراحل المرض، من التشخيص الأولي إلى العلاج والمتابعة.

ورغم الآفاق التي تفتحها هذه الابتكارات، فإن انتقالها من المختبرات ومراكز البحث إلى الممارسة الطبية اليومية يطرح تحديات تتعلق بالتجهيزات وتكوين الأطباء وتوفر التحاليل المتخصصة وتكاليفها. وفي الجزائر، تبرز أهمية معرفة مدى توفر هذه التقنيات داخل المؤسسات الاستشفائية، وإمكانية استفادة المريضات منها، خصوصاً أن عرض المستجدات العلمية خلال الملتقيات لا يعني بالضرورة دخولها حيز الاستخدام السريري الواسع.

وتعيد هذه التطورات طرح مسألة أساسية في مكافحة سرطان الثدي، تتمثل في ضرورة الجمع بين تحسين التشخيص وتطوير العلاجات وضمان الوصول إليها في الوقت المناسب. فبينما تتيح الأبحاث الحديثة فرصاً متزايدة لتكييف العلاج مع الخصائص الفردية للأورام، يبقى الكشف المبكر والتكفل السريع والمستمر من العناصر الحاسمة في تحسين فرص العلاج.

وتكمن أهمية النقاش العلمي الذي احتضنه CHU وهران في تسليط الضوء على التحولات التي يشهدها طب الأورام، غير أن أثر هذه التحولات على صحة النساء سيظل مرتبطاً بمدى قدرة المنظومة الصحية على تحويل المعرفة العلمية إلى خدمات طبية متاحة وفعالة. فالتقدم في مواجهة سرطان الثدي لا يُقاس فقط بما تتيحه التكنولوجيا من إمكانيات جديدة، وإنما أيضاً بعدد المريضات اللواتي يستطعن الاستفادة منها فعلياً.

مريم عزون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد