دراسة جزائرية تكشف وفاة 89 بالمائة من مرضى نقص مناعي وراثي نادر وتثير تساؤلات حول فرص العلاج

كشفت دراسة علمية واسعة، شارك فيها باحثون وأطباء من عدة مؤسسات استشفائية جزائرية بالتعاون مع فرق بحث دولية، عن نتائج مقلقة بشأن التكفل بالأطفال المصابين بنوع نادر وخطير من نقص المناعة الوراثي. فقد أظهرت الدراسة أن نسبة الوفيات بلغت 89.1 بالمائة بين 128 مريضاً شملهم البحث، في حين لم يستفد من زراعة الخلايا الجذعية المكوّنة للدم، التي تمثل أحد أهم الخيارات العلاجية القادرة على إنقاذ حياة هؤلاء المرضى، سوى 2.3 بالمائة منهم.

ونُشرت الدراسة، يوم 26 أكتوبر 2026، في المجلة العلمية الدولية Journal of Human Immunity، تحت عنوان «المشهد الجيني لنقص RAG: متغيرات جينية جديدة ومؤسِّسة لدى مجموعة كبيرة من المرضى الجزائريين». وتُعد من الدراسات المهمة التي تناولت الخصائص الجينية والسريرية لهذا المرض في شمال إفريقيا، استناداً إلى معطيات جُمعت على مدى 14 سنة.

ويصيب هذا الاضطراب جهاز المناعة نتيجة خلل وراثي في أحد الجينين RAG1 أو RAG2، اللذين يؤديان دوراً أساسياً في تكوين الخلايا اللمفاوية المسؤولة عن الدفاع عن الجسم ضد العدوى. وقد تؤدي بعض هذه الاختلالات إلى الإصابة بنقص المناعة المشترك الشديد، المعروف اختصاراً بـSCID، وهو مرض يجعل الأطفال عرضة لالتهابات خطيرة ومتكررة منذ الأشهر الأولى من حياتهم، وقد يؤدي إلى الوفاة المبكرة في غياب العلاج المناسب.

وأظهرت النتائج أن 61 بالمائة من المرضى كانوا يعانون من الشكل الكلاسيكي لنقص المناعة المشترك الشديد، بينما أصيب 23.4 بالمائة بمتلازمة أومن، وهي حالة مناعية نادرة قد تترافق مع اضطرابات التهابية وجلدية حادة.

وعلى المستوى الجيني، توصل الباحثون إلى نتائج لافتة، إذ تبين أن الاختلالات المرتبطة بجين RAG2 تمثل 57 بالمائة من الحالات، مقابل 43 بالمائة لجين RAG1، وهي نسبة تختلف عن التوزيع المسجل في مجموعات سكانية أخرى. كما حددوا أربعة متغيرات جينية لم تكن موصوفة سابقاً، إلى جانب متغيرين يُرجح ارتباطهما بأصل وراثي مشترك، ويمثلان معاً 76.6 بالمائة من الأنماط الجينية المرصودة لدى المرضى.

وسجلت الدراسة كذلك وجود زواج الأقارب لدى 70.3 بالمائة من العائلات المعنية، وهو معطى يكتسي أهمية في فهم انتقال بعض الأمراض الوراثية المتنحية. غير أن هذه النسبة تخص عائلات المرضى المشاركين في البحث، ولا يمكن اعتبارها مؤشراً على انتشار زواج الأقارب بين عموم السكان في الجزائر.

ورغم الأهمية العلمية لهذه الاكتشافات، تبقى النتائج المتعلقة بفرص العلاج الأكثر إثارة للقلق. فالدراسة تشير إلى أن ارتفاع الوفيات ارتبط أساساً بالمحدودية الشديدة في الوصول إلى زراعة الخلايا الجذعية المكوّنة للدم، وهي تقنية علاجية يمكنها، في حالات كثيرة، إعادة بناء الجهاز المناعي ومنح الأطفال المصابين فرصة للبقاء على قيد الحياة.

وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنظر إلى التقدم المحقق دولياً في علاج نقص المناعة المشترك الشديد، حيث أظهرت دراسات سابقة إمكانية تحقيق نسب بقاء مرتفعة بعد الزراعة، خصوصاً عندما يُشخّص المرض مبكراً ويُجرى التدخل قبل حدوث مضاعفات معدية خطيرة. ومع ذلك، فإن اختلاف الحالات المرضية وطرق اختيار المرضى لا يسمح بمقارنة مباشرة بين نتائج هذه الدراسات والمجموعة الجزائرية.

وتطرح المعطيات المنشورة تساؤلات بشأن العوائق التي تحول دون استفادة عدد أكبر من المرضى من هذا العلاج، سواء تعلق الأمر بإمكانيات الزراعة المتاحة، أو شروط توجيه المرضى نحو المراكز المتخصصة، أو توفر المتبرعين المناسبين، أو الصعوبات الطبية التي قد تمنع إجراء العملية. ولا تسمح النتائج المتاحة بتحديد الوزن الفعلي لكل عامل من هذه العوامل، ما يستدعي توضيحات إضافية من الفرق الطبية المشاركة في البحث.

كما تعيد الدراسة إلى الواجهة أهمية الكشف المبكر عن نقص المناعة الشديد لدى حديثي الولادة، إذ يمكن أن يتيح التشخيص قبل ظهور الالتهابات الخطيرة فرصاً أفضل للتدخل العلاجي. وقد شدد الباحثون على ضرورة تطوير الكشف الولادي وتوسيع إمكانية الوصول إلى زراعة الخلايا الجذعية، حتى لا تبقى القدرة على تشخيص هذه الأمراض منفصلة عن القدرة على علاجها.

وتبرز الدراسة، التي ساهم فيها الباحثان إبراهيم بلعيد ورضا جيجيك إلى جانب عشرات الأطباء والباحثين من مؤسسات صحية جزائرية ومراكز علمية دولية، أهمية التعاون بين مختلف التخصصات في تشخيص الأمراض الوراثية النادرة وفهم خصائصها لدى السكان الجزائريين.

لكن القيمة الأبرز لهذه النتائج قد تتجاوز الاكتشافات الجينية ذاتها، إذ تكشف عن تحدٍّ صحي يتمثل في تحويل التقدم العلمي إلى فرص علاج حقيقية. فمعرفة الخلل الوراثي المسؤول عن مرض خطير تمثل خطوة أساسية، غير أن أثرها على حياة المرضى يظل مرتبطاً بإمكانية حصولهم على التكفل المتخصص في الوقت المناسب.

وإذا كانت الدراسة قد نجحت في توسيع المعرفة العلمية بهذا المرض النادر في الجزائر، فإن نسبة الوفيات التي سجلتها تضع مسألة الوصول إلى العلاج في صدارة الأولويات، وتفتح نقاشاً ضرورياً حول السبل الكفيلة بتحسين فرص نجاة الأطفال المصابين بأشد أشكال نقص المناعة الوراثي.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد