إيبولا في الكونغو الديمقراطية.. الوباء يتراجع في مناطق ويتمدد إلى أخرى
تراجع الإصابات في بعض بؤر إيبولا بجمهورية الكونغو الديمقراطية لا يعني أن الوباء بدأ ينحسر. التحذير الذي تطلقه منظمة أطباء بلا حدود يقوم على ملاحظة أكثر تعقيداً: الفيروس يغيّر خريطته، فيتراجع في مناطق ويظهر أو يشتد في مناطق أخرى، بينما تظل الكونغو الديمقراطية مركز الوباء بلا منازع. ومنذ بداية التفشي، سُجلت حالات مؤكدة في ثلاث دول هي الكونغو الديمقراطية وأوغندا وفرنسا، من دون أن يعني ذلك وجود انتقال نشط للفيروس حالياً في البلدان الثلاثة.
حتى 23 سبتمبر 2026، سجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية 7890 إصابة مؤكدة و3799 وفاة بمرض إيبولا الناجم عن فيروس بونديبوغيو، أي بمعدل وفيات يتجاوز 48 في المائة. كما وصل الوباء إلى 63 منطقة صحية موزعة على سبع مقاطعات من أصل 26 مقاطعة في البلاد، وفق أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية.
غير أن الأرقام الإجمالية لا تكشف وحدها طبيعة المرحلة الحالية من الوباء. ففي إيتوري، التي تبقى أكبر بؤرة للإصابات، بدأت وتيرة الحالات الجديدة تتراجع تدريجياً مقارنة بذروة منتصف أوت، لكنها ما تزال مرتفعة. وفي المقابل، شهد شمال كيفو ارتفاعاً قوياً في الإصابات خلال الأسابيع الأخيرة، فيما ظهرت بؤر جديدة في مناطق أخرى، بينها جنوب أوبانغي وأوت أويلي.
وهذا بالتحديد ما دفع منظمة أطباء بلا حدود إلى التحذير من قراءة الانخفاض المسجل في بعض المناطق باعتباره بداية لنهاية الوباء. فمن وجهة نظر فرقها الميدانية، المشكلة لم تعد محصورة في حجم الإصابات داخل البؤر القديمة، بل في قدرة الفيروس على الانتقال إلى مناطق جديدة قد تكون أقل استعداداً من حيث المراقبة الوبائية ومراكز العلاج والطواقم الطبية.
ويكتسب هذا التوسع الجغرافي أهمية خاصة لأن بعض المناطق الجديدة تقع بالقرب من حدود دول أخرى. فقد سجلت منطقة دونغو في مقاطعة أوت أويلي، المحاذية لجنوب السودان، إصابات مؤكدة، وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى التنبيه إلى ارتفاع خطر انتقال الفيروس عبر الحدود في ظل حركة السكان والتجارة والنزوح.
وعلى المستوى الدولي، تشير معطيات منظمة الصحة العالمية إلى أن ثلاث دول سجلت حالات مؤكدة منذ بداية هذا التفشي. وإلى جانب آلاف الحالات في الكونغو الديمقراطية، سجلت أوغندا 20 إصابة مؤكدة، بينها حالتا وفاة، كما سجلت فرنسا حالة واحدة وافدة تعافى صاحبها. ونُقل مصابان شُخّصا في الكونغو إلى ألمانيا للعلاج، لكنهما يُحتسبان ضمن الحالات المسجلة في الكونغو الديمقراطية لأن الإصابة والتشخيص حدثا هناك.
غير أن هذه الأرقام تحتاج إلى توضيح مهم: الانتقال النشط للفيروس يتركز حالياً في جمهورية الكونغو الديمقراطية. فقد أعلنت أوغندا في 27 أوت انتهاء تفشي المرض على أراضيها بعد مرور 42 يوماً متتالية من دون تسجيل حالة مؤكدة جديدة، وهي الفترة المعتمدة دولياً للتأكد من انقطاع سلاسل العدوى. كما لم تسجل فرنسا حالات ثانوية بعد الإصابة الوافدة التي اكتشفت في يونيو، وأنهت بدورها فترة المراقبة المعززة.
وبذلك لا يمكن الحديث عن وباء ينتشر حالياً بصورة متزامنة في ثلاث دول، بقدر ما يتعلق الأمر بتفشٍّ واسع ومستمر داخل الكونغو الديمقراطية نجح في التسبب سابقاً في حالات خارج حدودها. لكن استمرار الانتقال داخل مناطق جديدة، بعضها قريب من دول مجاورة، يبقي خطر ظهور حالات وافدة جديدة قائماً.
وتزداد صعوبة احتواء الوباء بسبب الظروف التي تعرفها مناطق واسعة من شرق الكونغو، حيث تتداخل الأزمة الصحية مع النزاعات المسلحة والنزوح وانعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق. وتؤثر هذه الظروف مباشرة في سرعة اكتشاف المرضى وتتبع مخالطيهم ونقل المصابين إلى مراكز العلاج، كما يمكن أن تسمح باستمرار سلاسل عدوى لا تُكتشف إلا بعد انتقال الفيروس إلى أشخاص آخرين.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، كان أكثر من 32 ألف شخص يحتاجون إلى المتابعة باعتبارهم مخالطين لمصابين حتى 23 سبتمبر، وهو رقم يعكس حجم الجهد المطلوب لمراقبة تطور الوباء. كما سجلت البلاد في يوم واحد 70 إصابة مؤكدة جديدة موزعة على 26 منطقة صحية، ما يؤكد أن انتقال الفيروس لا يزال عند مستويات مرتفعة رغم التحسن المسجل في بعض البؤر.
ويزيد نوع الفيروس المسؤول عن التفشي من تعقيد الاستجابة. فالوباء الحالي ناجم عن فيروس إيبولا من نوع بونديبوغيو، ولا يتوفر حتى الآن لقاح مرخص أو علاج نوعي مثبت مخصص لهذا النوع. لذلك تظل سرعة اكتشاف الحالات وعزل المصابين وتتبع المخالطين والرعاية الداعمة والوقاية من العدوى داخل المؤسسات الصحية أهم الأدوات المتاحة لقطع سلاسل الانتقال.
الصورة التي ترسمها الأسابيع الأخيرة، إذن، ليست صورة وباء يتراجع بصورة منتظمة، بل وباء تتحول جغرافيته باستمرار. انخفاض الإصابات في منطقة يظل خبراً إيجابياً، لكنه لا يكفي للحديث عن السيطرة على المرض إذا كان الفيروس يظهر في الوقت نفسه في أماكن أخرى.
ولهذا يبدو تحذير أطباء بلا حدود أبعد من مجرد توصيف للأرقام: إيبولا لا يختفي بعد، وإنما ينتقل من بؤرة إلى أخرى. والتحدي الحقيقي أمام الاستجابة الصحية بات يكمن في القدرة على الوصول إلى هذه البؤر الجديدة قبل أن تترسخ فيها سلاسل العدوى أو تعبر مجدداً حدود جمهورية الكونغو الديمقراطية.
مالك سعدو