الجزائر تستحدث تخصص طب الشيخوخة لمواجهة التحديات الصحية المرتبطة بتقدم السكان في السن

أعلنت الجمعية الجزائرية لطب الشيخوخة عن ميلاد هذا التخصص الطبي في الجزائر، في خطوة جديدة نحو تطوير التكفل الصحي بكبار السن، تزامناً مع التحولات الديموغرافية التي يشهدها المجتمع الجزائري وما تفرضه من تحديات متزايدة على المنظومة الصحية، خاصة في مجال الوقاية من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر والتكفل بالحالات الصحية المعقدة.

وأشادت الجمعية، في منشور على صفحتها الرسمية، بأول دفعة من الأطباء المقيمين في هذا التخصص، معربة عن تفاؤلها بمستقبل طب الشيخوخة في الجزائر، بالنظر إلى ما أظهره هؤلاء الأطباء الشباب من حماس والتزام. كما ثمّنت دعم وزارتي الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي لإطلاق هذا المسار الطبي المتخصص.

ويأتي هذا الإعلان في وقت تعرف فيه الجزائر ارتفاعاً تدريجياً في نسبة كبار السن، نتيجة تحسن متوسط العمر المتوقع وتراجع معدلات الخصوبة خلال العقود الماضية. وتشير المعطيات الديموغرافية إلى أن الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق أصبحوا يمثلون أكثر من عُشر السكان، وهي نسبة مرشحة للارتفاع خلال السنوات المقبلة، ما يستدعي تكييف الخدمات الصحية مع الاحتياجات المتزايدة لهذه الفئة.

ويُعد طب الشيخوخة، المعروف علمياً باسم «Gériatrie»، تخصصاً طبياً يهتم بصحة الأشخاص المتقدمين في السن، ولا يقتصر على علاج الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، بل يعتمد مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الحالة الجسدية والنفسية والذهنية للمريض، ومدى قدرته على ممارسة أنشطته اليومية والحفاظ على استقلاليته.

وتبرز أهمية هذا التخصص خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون عدة أمراض مزمنة في الوقت نفسه، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والمفاصل، إضافة إلى اضطرابات الذاكرة والتوازن والحركة. فكثيراً ما يحتاج هؤلاء المرضى إلى متابعة طبية منسقة، تراعي التداخل بين الأمراض المختلفة وتأثير العلاجات المستعملة في صحتهم العامة.

ومن أبرز المشكلات التي يهتم بها طب الشيخوخة ظاهرة تعدد الأدوية، حيث يتناول بعض كبار السن عدة علاجات يومياً، ما قد يزيد من مخاطر التفاعلات الدوائية والآثار الجانبية، خاصة في حال وجود اضطرابات في وظائف الكلى أو الكبد. ويسمح التقييم الطبي المتخصص بمراجعة هذه العلاجات وتكييفها مع الحالة الصحية لكل مريض، بما يساهم في الحد من المضاعفات التي يمكن تفاديها.

كما يشمل هذا التخصص الوقاية من السقوط والكسور، والكشف المبكر عن اضطرابات الذاكرة والتدهور المعرفي، وسوء التغذية وفقدان الكتلة العضلية، وهي مشكلات قد تؤدي تدريجياً إلى تراجع القدرة على الحركة وفقدان الاستقلالية، حتى في غياب أمراض خطيرة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أهمية اعتماد رعاية صحية متكاملة تتمحور حول احتياجات الشخص المسن، بدلاً من التعامل مع كل مرض بصورة منفصلة، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على القدرات الوظيفية وجودة الحياة. وتقوم هذه المقاربة على التنسيق بين مختلف التخصصات الطبية، وتعزيز دور الرعاية الصحية الأولية، وإشراك الأسرة في متابعة الحالة الصحية للمريض.

وفي الجزائر، يطرح تطوير طب الشيخوخة تحديات تتجاوز تكوين الأطباء، إذ يرتبط نجاح هذا التخصص بمدى إدماجه في المؤسسات الاستشفائية ومرافق الرعاية الصحية، وتوفير خدمات تسمح بالتشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة والتكفل بالحالات التي تستدعي تدخلاً طبياً متعدد التخصصات.

كما تبرز أهمية تطوير خدمات الرعاية الصحية المنزلية، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يعانون صعوبة في التنقل أو فقداناً جزئياً للاستقلالية، إلى جانب تعزيز برامج الوقاية والتأهيل الحركي والتغذية الملائمة، بما يساهم في تحسين ظروف عيش كبار السن والتخفيف من الأعباء الصحية والاجتماعية التي تتحملها أسرهم.

ورغم أهمية الإعلان عن ميلاد هذا التخصص، فإن المنشور الصادر عن الجمعية الجزائرية لطب الشيخوخة لم يوضح عدد الأطباء المقيمين ضمن الدفعة الأولى، ولا المؤسسات الجامعية والاستشفائية التي تحتضن تكوينهم، أو الترتيبات المتعلقة بممارسة هذا التخصص مستقبلاً، وهي معطيات من شأنها توضيح مدى انتشاره والآفاق المتاحة لتطويره.

ويمثل إدراج طب الشيخوخة ضمن التكوين الطبي المتخصص فرصة لتعزيز البعد الوقائي في المنظومة الصحية الجزائرية، والانتقال تدريجياً من التركيز على علاج الأمراض إلى الاهتمام بالحفاظ على صحة الأشخاص المسنين واستقلاليتهم وجودة حياتهم.

فمع التحولات التي تعرفها التركيبة العمرية للسكان، لم يعد التكفل الصحي بكبار السن قضية تخص فئة محدودة من المجتمع، بل أصبح أحد التحديات الأساسية التي تستدعي الاستعداد لها من خلال تكوين الكفاءات الطبية وتطوير الخدمات الصحية الملائمة لاحتياجات الأجيال المتقدمة في السن.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد