الأطفال بعد الحرائق.. حين يظهر الخوف في السلوك قبل الكلام

لا يقول الطفل دائما إنه خائف أو مصدوم بعد الحريق. فقد يظهر أثر ما عاشه في صورة أرق، أو كوابيس، أو تعلق زائد بالوالدين، أو تراجع في التركيز، أو رفض للمدرسة واللعب. ويؤكد أطباء الأطفال والمتخصصون في الصحة النفسية أن هذه التغيرات تكون شائعة بعد الأحداث الصادمة، لكن استمرارها أو شدتها قد يكشفان حاجة إلى دعم أكبر.

بعد حريق كبير أو عملية إجلاء مفاجئة، لا تكون استجابة الأطفال واحدة. بعضهم يتحدث كثيرا عما حدث، وبعضهم يبدو هادئا في البداية، بينما تظهر التغيرات بعد أيام. فالطفل، خصوصا في الأعمار الصغيرة، لا يملك دائما الكلمات التي تسمح له بوصف الخوف، ولذلك يعبّر عنه في كثير من الأحيان من خلال السلوك.

وقد يصبح أكثر التصاقا بوالديه، أو يخشى النوم وحده، أو يستيقظ ليلا بسبب الكوابيس، أو يفقد جزءا من قدرته على التركيز. وقد يعود أطفال أصغر سنا إلى سلوكيات كانوا قد تجاوزوها، مثل التبول الليلي أو الخوف من الانفصال عن الوالدين.

ويرى المختصون أن هذه المظاهر لا تعني تلقائيا وجود اضطراب نفسي. فبعد تجربة تهدد الإحساس بالأمان، يحتاج الطفل إلى وقت حتى يستوعب ما حدث ويستعيد ثقته في أن الخطر انتهى. وغالبا ما تتراجع الأعراض تدريجيا مع استقرار الظروف وعودة الحياة اليومية إلى نسق أكثر انتظاما.

لكن ما يحدث بعد الحريق يمكن أن يكون مهما بقدر ما حدث أثناءه. فالعيش لفترة خارج المنزل، أو فقدان قريب أو ممتلكات، أو استمرار الحديث عن الحرائق داخل الأسرة، كلها عوامل قد تبقي التوتر حاضرا لدى الطفل.

كما يمكن للصور المتكررة ومقاطع الفيديو المنتشرة على الهواتف وشبكات التواصل أن تطيل هذا الشعور بالخطر. فالطفل قد لا يميز دائما بين حدث انتهى وصورة يعاد عرضها عشرات المرات، وقد يتعامل مع المشهد كما لو أنه يتكرر من جديد.

ولهذا ينصح أطباء الأطفال بالحديث مع الصغار بلغة تناسب أعمارهم، من دون إخفاء ما حدث تماما ومن دون إغراقهم في التفاصيل القاسية. فالإجابة البسيطة والواضحة عن أسئلتهم، مع طمأنتهم بما هو ممكن فعلا، تساعد أكثر من محاولة إنكار خوفهم أو التقليل منه.

وتلعب العودة التدريجية إلى الروتين دورا مهما بدورها. فمواعيد النوم والطعام، والعودة إلى المدرسة واللعب عندما تصبح الظروف مناسبة، ليست مجرد تفاصيل يومية، بل تساعد الطفل على استعادة الإحساس بأن حياته عادت إلى مسار يمكن توقعه.

ولا ينبغي في المقابل إجباره على الحديث عن التجربة. فبعض الأطفال يعبرون بالكلام، وبعضهم بالرسم أو اللعب، فيما يحتاج آخرون إلى وقت أطول قبل أن يطرحوا أسئلتهم. الأهم هو ملاحظة التغيرات التي تستمر وتؤثر في حياته.

وتصبح الحاجة إلى رأي متخصص أكثر وضوحا عندما يطول الأرق أو الخوف لأسابيع، أو يتراجع الأداء المدرسي بوضوح، أو يرفض الطفل الخروج أو الابتعاد عن والديه، أو تظهر لديه عزلة شديدة أو نوبات غضب متكررة أو تغيرات سلوكية لا تتحسن مع الوقت.

ويحتاج الأطفال الذين فقدوا أحد أفراد الأسرة، أو منازلهم، أو عاشوا لحظات تهديد مباشر للحياة إلى متابعة أكثر انتباها، لأن العبء النفسي لديهم قد يكون أكبر وأطول أمدا.

بعد الحرائق، قد يعود الطفل إلى البيت أو المدرسة قبل أن يعود إليه الشعور الكامل بالأمان. ولهذا فإن مراقبة سلوكه في الأسابيع التالية ليست مبالغة، بل جزء من فهم أثر الكارثة على من لا يستطيعون دائما التعبير عنها بالكلمات.

مالك سعدو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد