بعد الحرائق.. متى تصبح مياه الآبار والخزانات موضع شك؟
مع انحسار الحرائق، يعود الاهتمام تدريجيا إلى البيوت وشبكات الماء ومصادر التزويد المحلية. وفي المناطق التي تعتمد على الآبار والخزانات، قد يطرح الحريق مشكلة أقل وضوحا من الدخان والرماد: هل بقي الماء آمنا للشرب؟ فتعرض المضخات والأنابيب والمنشآت للحرارة أو فقدان الضغط داخل الشبكة يمكن أن يفتح الباب أمام تلوث لا يظهر بالضرورة في لون الماء أو رائحته.
بعد الحرائق، يميل كثير من السكان إلى تقييم الماء بما يرونه أو يشمونه. فإذا بقي صافيا ومن دون رائحة غير معتادة، يبدو الأمر مطمئنا. غير أن متخصصي الصحة البيئية يشددون على أن سلامة مياه الشرب لا يمكن الحكم عليها بالحواس وحدها، خصوصا إذا كانت المنظومة التي توصل الماء قد تعرضت مباشرة للحريق.
في الآبار الخاصة، قد تتضرر المضخات أو الأسلاك أو الأنابيب، كما يمكن أن يؤدي انقطاع الكهرباء أو توقف الضخ إلى فقدان الضغط داخل المنظومة. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الضعف، لأن تراجع الضغط قد يسمح بتسرب ملوثات من الخارج إلى شبكة يفترض أن تبقى مغلقة.
ويزداد القلق عندما تكون الأنابيب أو بعض التجهيزات مصنوعة من البلاستيك أو مواد قابلة للتأثر بالحرارة. فالتشوه أو الاحتراق الجزئي قد يؤدي إلى انتقال مركبات كيميائية إلى الماء، وهو نوع من التلوث يختلف تماما عن التلوث الجرثومي المعروف.
ولهذا يحذر الأطباء وخبراء المياه من فكرة شائعة بعد الكوارث، وهي أن غلي الماء يكفي لحل كل المشكلات. فالغلي قد يقلل مخاطر عدد من الميكروبات، لكنه لا يزيل بالضرورة المواد الكيميائية أو الملوثات الناتجة عن احتراق الوقود أو البلاستيك أو بعض مكونات المنشآت.
وفي حال تغير لون الماء أو مذاقه أو رائحته بعد الحريق، تصبح الحاجة إلى التوقف عن استعماله للشرب أكثر وضوحا إلى حين التحقق من مصدر التغير. لكن غياب هذه العلامات لا يعني تلقائيا أن كل شيء عاد إلى طبيعته، خاصة إذا كان البئر أو الخزان أو شبكة الأنابيب قد تعرض لأضرار مباشرة.
كما يمكن أن تتأثر المياه بطرق غير مباشرة. فالأمطار التي تسقط بعد احتراق مساحات واسعة قد تجرف الرماد والتربة وبقايا المواد المحترقة نحو الأودية والمجاري والسدود، ما قد يغير جودة المياه الخام ويزيد العبء على منشآت المعالجة.
ولا يعني ذلك أن كل شبكة عمومية قريبة من منطقة محترقة تصبح غير صالحة للشرب. فشبكات التوزيع تخضع عادة لمراقبة ومعالجة تختلف عن الآبار الفردية. لكن الحريق الواسع قد يخلق صعوبات إضافية إذا تضررت التجهيزات أو تغيرت خصائص المياه التي تصل إلى محطات المعالجة.
وتبقى الآبار والخزانات الخاصة أكثر حساسية في هذا السياق، لأن مراقبتها ليست دائما منتظمة. فإذا كان الحريق قد وصل إلى محيط البئر أو الخزان، أو تضررت المضخة أو الأنابيب، أو انقطع الضغط لفترة طويلة، تصبح إعادة الاستعمال من دون فحص قرارا غير مضمون.
ويحدد المختصون نوع التحاليل المطلوبة بحسب طبيعة الضرر. فقد يكون البحث عن التلوث الجرثومي كافيا في بعض الحالات، بينما تستدعي حالات أخرى تحاليل أوسع، خصوصا إذا احترقت مركبات أو خزانات وقود أو مواد صناعية أو كميات كبيرة من البلاستيك قرب مصدر الماء.
وتستحق الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، حذرا أكبر عند وجود شك جدي في سلامة المياه، لأن عواقب بعض أنواع التلوث قد تكون أشد لديها.
مالك سعدو