بعد الحرائق.. لماذا قد يستمر الخوف حتى بعد زوال الخطر؟
تنطفئ النيران، يعود السكان إلى بيوتهم، وتبدأ الحياة في استعادة إيقاعها. لكن بالنسبة إلى بعض المتضررين، لا ينتهي الحريق فعليا عند هذا الحد. فقد يبقى الخوف، ويضطرب النوم، وتتكرر صور الإخلاء أو مشاهد الدمار، فيما يظل الإحساس بالخطر حاضرا حتى بعد زواله. ويؤكد أطباء الصحة النفسية أن هذه الاستجابات شائعة بعد الكوارث، ولا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي دائم.
حرائق الغابات لا تترك وراءها خسائر مادية وجسدية فقط. فالفرار من النيران، والخوف على أفراد العائلة، وفقدان منزل أو ممتلكات أو مصدر رزق، كلها تجارب يمكن أن تترك أثرا نفسيا يستمر بعد انتهاء الخطر المباشر.
وقد يظهر هذا الأثر في صورة أرق، أو قلق متكرر، أو سرعة انفعال، أو صعوبة في التركيز، أو شعور دائم بأن الحريق قد يتكرر. كما قد يتجنب بعض الأشخاص العودة إلى الأماكن التي احترقت أو الحديث عما حدث، بينما يعاني آخرون من كوابيس أو استرجاع متكرر للمشاهد التي عاشوها.
ويشرح أطباء الصحة النفسية أن مثل هذه الأعراض في الأيام الأولى بعد الكارثة لا ينبغي التعامل معها تلقائيا كمرض. فالجسم والعقل يحتاجان إلى وقت لاستعادة الإحساس بالأمان بعد حدث شديد ومفاجئ، وغالبية الأشخاص تتحسن حالتهم تدريجيا مع مرور الوقت وعودة الروتين والدعم العائلي والاجتماعي.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا يتراجع الخوف، بل يستمر أو يزداد ويصبح عائقا أمام الحياة اليومية. فإذا ظل الشخص عاجزا عن النوم، أو أصبح القلق يمنعه من الخروج أو العمل، أو استمرت الكوابيس والذكريات المزعجة بصورة متكررة، فقد تكون الحاجة إلى تقييم نفسي أكثر وضوحا.
ومن بين الاضطرابات التي يمكن أن تظهر بعد الأحداث الصادمة اضطراب ما بعد الصدمة، الذي قد يترافق مع استرجاع متكرر للحادث، وتجنب كل ما يذكر به، واضطراب النوم، والشعور المستمر بالخطر. لكن الأطباء يشددون في الوقت نفسه على أن التعرض لكارثة لا يعني تلقائيا الإصابة بهذا الاضطراب، وأن معظم الأشخاص لا يطورون مرضا نفسيا مزمنا.
كما أن شدة الأثر النفسي لا تتحدد فقط بما عاشه الشخص أثناء الحريق، بل أيضا بما ينتظره بعده. فقد يؤدي فقدان المسكن، أو الدخل، أو طول فترة الإقامة خارج البيت، أو صعوبة العودة إلى العمل، إلى إطالة التوتر وتأخير الإحساس بالاستقرار.
وفي المقابل، يمكن للدعم العائلي والاجتماعي أن يلعب دورا مهما في التعافي. فاستعادة الروتين اليومي، والعودة التدريجية إلى العمل أو الدراسة، والبقاء على تواصل مع الأقارب والجيران، كلها عناصر تساعد على تقليص الشعور بالعزلة والخطر.
ولا يعني ذلك أن الحديث عن التجربة يجب فرضه على الجميع. فبعض الأشخاص يحتاجون إلى الكلام، بينما يفضل آخرون الوقت والهدوء. ويشير المختصون إلى أن الأهم هو توفير مساحة آمنة للدعم من دون ضغط أو أحكام.
وهناك حالات لا ينبغي انتظار أن تحل نفسها مع الوقت. فإذا استمرت الأعراض لأسابيع وأثرت بوضوح في النوم والعمل والعلاقات، أو ظهرت عزلة شديدة أو اكتئاب واضح أو استعمال مفرط للكحول أو المهدئات، تصبح الاستشارة النفسية أو الطبية أكثر أهمية.
بعد الحرائق، قد تعود الكهرباء وتفتح الطرق ويبدأ ترميم البيوت بسرعة، لكن استعادة الشعور بالأمان قد تحتاج وقتا أطول. ولهذا تبقى الصحة النفسية جزءا من آثار الكارثة، حتى عندما لا تظهر في حصيلة الجرحى ولا في أرقام المستشفيات.
مالك سعدو