بعد الحرائق.. متى يصبح المنزل آمنا للسكن من جديد؟
العودة إلى المنزل بعد الحريق لا تعني بالضرورة العودة إلى بيئة صحية سليمة. فالدخان والسخام والرماد يمكن أن يترسبوا على الجدران والأثاث والملابس، وقد تبقى بعض الملوثات داخل الهواء والأسطح حتى بعد اختفاء الرائحة. ولهذا ينبه الأطباء ومتخصصو الصحة البيئية إلى أن تقييم المنزل بعد الحريق يجب أن يشمل ما خلفه الاحتراق، لا ما أتلفته النيران فقط.
بعد انحسار الحرائق، تسعى العائلات عادة إلى العودة بأسرع ما يمكن إلى منازلها، خصوصا عندما تكون الأضرار محدودة من الخارج. لكن المنزل الذي لم يحترق بالكامل قد يكون تعرض لكمية كبيرة من الدخان والحرارة والجسيمات الدقيقة، وهي آثار لا تختفي بالضرورة بمجرد فتح الأبواب والنوافذ.
ويعد السخام من أبرز ما يبقى بعد الحريق. فهو مزيج من جزيئات دقيقة ناتجة عن الاحتراق يمكن أن تترسب على الأسطح والأثاث والأرضيات، ثم تعود إلى الهواء مع الحركة أو التنظيف. ويشير أطباء الأمراض الصدرية إلى أن هذا الغبار قد يهيج الشعب الهوائية ويسبب السعال أو الصفير أو ضيق التنفس، خصوصا لدى المصابين بالربو والأمراض التنفسية المزمنة.
كما يمكن أن يسبب تماس الجلد والعينين مع الرماد والسخام تهيجا، خاصة أثناء التنظيف أو إزالة الأغراض المتضررة. ويزداد الحذر عندما تكون النيران قد وصلت إلى البلاستيك أو الطلاء أو الأجهزة المنزلية أو مواد البناء، لأن بقايا الاحتراق في هذه الحالات قد تكون أكثر تعقيدا من رماد النباتات والخشب وحدهما.
ولا تمثل الرائحة معيارا كافيا للحكم على سلامة المكان. فقد تخف رائحة الدخان بينما تبقى بعض الجزيئات مترسبة على الأقمشة والفرش والستائر والسجاد. ولهذا قد يحتاج المنزل الذي امتلأ بالدخان إلى تنظيف شامل، وليس فقط إلى تهوية سريعة.
وتكتسب جودة الهواء داخل البيت أهمية خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الربو والقلب. فهذه الفئات قد تظهر لديها أعراض حتى عند مستويات من التلوث لا تسبب مشكلة واضحة لبقية أفراد الأسرة. وإذا عاد السعال أو ضيق النفس أو تهيج العينين بعد دخول المنزل، فقد يكون ذلك مؤشرا على أن البيئة الداخلية لم تستعد بعد شروطها الطبيعية.
ويشير متخصصو الصحة البيئية أيضا إلى أهمية الانتباه إلى أنظمة التكييف والتهوية. فإذا عملت أثناء الحريق أو تعرضت لكميات كبيرة من الدخان، يمكن أن تحتفظ المرشحات والقنوات بجزء من السخام والجسيمات، وقد يؤدي تشغيلها من جديد من دون تنظيف أو فحص إلى إعادة توزيع الملوثات داخل الغرف.
كما لا ينبغي إغفال الأدوية والمواد الصحية التي بقيت داخل المنزل. فالأدوية الحساسة للحرارة قد تتأثر إذا تعرض المكان لدرجات حرارة مرتفعة، حتى وإن بقيت العبوات مغلقة. أما الأدوية أو المستلزمات التي تعرضت مباشرة للسخام أو مياه الإطفاء، فمن الأفضل عدم استعمالها قبل التأكد من سلامتها.
وتطرح الأطعمة والمياه المشكلة نفسها. فإذا دخل الدخان بكثافة إلى المطبخ أو تعرضت العبوات للحرارة أو السخام أو مياه الإطفاء، فقد لا يكون الاحتفاظ بكل ما بقي في المكان خيارا آمنا، خصوصا بالنسبة إلى المواد غير المغلقة بإحكام.
أما في المنازل التي تعرضت لأضرار كبيرة، فإن الخطر الصحي قد يتداخل مع الخطر الإنشائي. فالغبار الناتج عن انهيار أجزاء من البناء، والزجاج المكسور، والمواد العازلة، والأسلاك المحترقة، كلها تجعل عملية العودة والتنظيف أكثر تعقيدا، وقد تستدعي تقييما متخصصا قبل الإقامة من جديد.
ولا ينبغي أن يتحول الحرص على العودة السريعة إلى المنزل إلى تعرض جديد يمكن تجنبه. فالاستقرار في مكان ما يزال ملوثا بالسخام أو ضعيف التهوية قد يطيل تأثير الحريق على الصحة، خصوصا لدى أكثر أفراد الأسرة هشاشة.
بعد الحرائق، لا يكفي أن يكون البيت قائما حتى يصبح صالحا للسكن. فالسؤال الصحي الأهم هو ما إذا كان الهواء والأسطح والمياه والأدوية والأغذية داخله قد أصبحت آمنة فعلا، وما إذا كانت العودة إليه ستعيد الحياة الطبيعية أم ستطيل التعرض لما خلفه الحريق.
مالك سعدو