الاكتئاب قد يعرقل ولادة خلايا عصبية جديدة في الدماغ.. دراسة تكشف ما يحدث داخل الحُصين
تكشف دراسة حديثة عن اختلافات دقيقة في عملية تكوّن الخلايا العصبية داخل أدمغة المصابين بالاكتئاب الشديد، إذ يبدو أن انتقال الخلايا الجذعية العصبية نحو مراحل أكثر نضجا يتباطأ في منطقة الحُصين، المرتبطة بالذاكرة والتعلم وتنظيم المشاعر. والنتائج، المنشورة في مجلة «نيتشر ميديسن»، لا تثبت أن هذا الخلل يسبب الاكتئاب، لكنها تقدم صورة بيولوجية أكثر تفصيلا للمرض وتفتح مسارات جديدة للبحث عن علاجات مستقبلية.
لسنوات طويلة، دار جدل علمي حول قدرة الدماغ البشري البالغ على إنتاج خلايا عصبية جديدة، وحول ما إذا كانت هذه العملية، المعروفة باسم التكوّن العصبي، تتأثر بالاضطرابات النفسية. دراسة جديدة تقدم أحد أكثر الأدلة تفصيلا حتى الآن على استمرار هذه العملية في منطقة الحُصين لدى البالغين، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أنها قد تصبح مضطربة لدى الأشخاص المصابين بالاضطراب الاكتئابي الشديد.
الدراسة، التي نشرها باحثون في جامعة كولومبيا ومؤسسات علمية أخرى في مجلة «نيتشر ميديسن» في 21 أوت 2026، اعتمدت على تحليل أنسجة دماغية جُمعت بعد الوفاة من 30 شخصا، بينهم 11 كانوا يعانون من الاكتئاب الشديد و19 شخصا لم تكن لديهم اضطرابات نفسية معروفة.
وباستخدام تقنيات متقدمة تسمح بدراسة النشاط الجيني داخل كل خلية على حدة، حلل الباحثون نحو نصف مليون نواة خلوية مأخوذة من منطقة الحُصين، وتمكنوا من رسم مسار تطور الخلايا العصبية من الخلايا الجذعية إلى الخلايا السلفية، ثم الخلايا العصبية الأولية، وصولا إلى مراحل أكثر نضجا.
وأظهرت النتائج أن أدمغة المصابين بالاكتئاب احتوت على نسبة أكبر من الخلايا الجذعية العصبية، مقابل نسبة أقل من الخلايا العصبية الأولية المعروفة باسم «الأرومات العصبية». ويرى الباحثون أن هذا النمط قد يعني أن عملية النضج لا تتوقف تماما، لكنها تواجه نوعا من التعثر أثناء الانتقال من مرحلة خلوية إلى أخرى.
ولم تقتصر الاختلافات على أعداد الخلايا. فقد رصد الفريق اضطرابات في نشاط جينات ومسارات بيولوجية مرتبطة بالالتهاب والاستجابة المناعية للإنترفيرون، والإجهاد الخلوي، والاتصال بين الخلايا العصبية، إضافة إلى تغيرات تمس أنظمة الغلوتامات والسيروتونين المعروفة بدورها في عمل الدماغ وتنظيم المزاج.
كما أظهرت الدراسة مؤشرات على اختلال التوازن بين الإشارات العصبية الاستثارية والمثبطة، وعلى تراجع بعض الآليات المرتبطة بالمرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على تعديل اتصالاته ووظائفه استجابة للتجارب والتعلم. وقد تكون لهذه التغيرات أهمية خاصة لأن الحُصين يؤدي دورا أساسيا في الذاكرة، في حين يعاني كثير من مرضى الاكتئاب من اضطرابات في التركيز والتذكر ومن ميل أكبر لاستحضار الذكريات السلبية.
وتكتسب الدراسة أهمية إضافية لأنها تدعم فرضية استمرار إنتاج خلايا عصبية جديدة في الحُصين خلال مرحلة البلوغ، وهي مسألة ظلت موضع خلاف بين الباحثين لسنوات، بعد أن توصلت دراسات سابقة إلى نتائج متباينة بشأن وجود هذه الظاهرة لدى الإنسان البالغ.
لكن النتائج لا تعني أن الاكتئاب ينشأ ببساطة بسبب نقص تكوين الخلايا العصبية. فالاضطراب الاكتئابي الشديد مرض معقد تتداخل فيه عوامل بيولوجية ونفسية وبيئية، كما أن مناطق عديدة من الدماغ تشارك في آلياته، ولا يمكن اختزاله في الحُصين وحده.
ويقر الباحثون أيضا بقيود مهمة للدراسة. فهي تعتمد على أنسجة جُمعت بعد الوفاة ولا تستطيع تحديد ما إذا كانت التغيرات المكتشفة سببا للاكتئاب أم نتيجة له أو جزءا من مسار أكثر تعقيدا. كما أن عدد الحالات يبقى محدودا، وكان معظم الأشخاص المصابين بالاكتئاب في العينة قد توفوا منتحرين، ما يجعل الفصل الكامل بين التغيرات المرتبطة بالاكتئاب وتلك التي قد تكون مرتبطة بالانتحار أمرا صعبا.
وعلى الرغم من هذه التحفظات، توفر النتائج خريطة غير مسبوقة لبعض التغيرات الخلوية والجزيئية التي تصيب الحُصين في الاكتئاب الشديد. وقد تساعد مستقبلا في تحديد أهداف علاجية جديدة، لكن الانتقال من اكتشاف مسارات بيولوجية داخل أنسجة الدماغ إلى تطوير أدوية فعالة وآمنة يحتاج إلى دراسات إضافية وتجارب طويلة قبل أن تكون له انعكاسات مباشرة على علاج المرضى.
فاطمة الزهراء عاشور