إيبولا بونديبوغيو في الكونغو.. أخطر تفش من نوعه والاحتواء ما يزال ممكنا
رغم الحصيلة الثقيلة التي تجاوزت 2500 وفاة، تؤكد منظمة الصحة العالمية والمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن تفشي إيبولا بونديبوغيو في جمهورية الكونغو الديمقراطية لا يزال قابلا للاحتواء. هذا التقييم جاء في موقف مشترك وقعه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، والمدير الإقليمي للمنظمة في إفريقيا محمد يعقوب جنابي، والمدير العام للمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها جان كاسيا.
تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدا من أخطر تفشيات إيبولا التي عرفتها القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة، بعدما بلغ عدد الإصابات المؤكدة، إلى غاية 21 أوت 2026، نحو 5290 حالة، بينها 2516 وفاة، موزعة على عشرات المناطق الصحية.
ويعد التفشي الحالي، الناجم عن فيروس بونديبوغيو، الأكثر فتكا من نوعه المسجل حتى الآن، كما أصبح ثاني أكبر تفش لإيبولا من حيث عدد الحالات، وفق المعطيات التي عرضها مسؤولو منظمة الصحة العالمية والمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض.
لكن خطورة الوضع لا ترتبط بالفيروس وحده. فانتشار الوباء يحدث في بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها النزاعات المسلحة مع النزوح السكاني وضعف البنى الصحية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق. وهذه الظروف تعرقل اكتشاف الحالات بسرعة، وتتبع المخالطين، ونقل المرضى، وتأمين عمل الفرق الطبية.
ويكشف عدد الإصابات المسجلة بين العاملين في القطاع الصحي حجم الخطر داخل المؤسسات العلاجية نفسها. فقد أصيب 158 عاملا صحيا بالفيروس، وتوفي 45 منهم، وهو ما يعكس أهمية تعزيز إجراءات الوقاية ومكافحة العدوى داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
ويؤكد المسؤولون الثلاثة أن حماية الأطقم الطبية ليست فقط مسألة تتعلق بسلامة المهنيين، بل تمثل إحدى الركائز الأساسية لوقف انتقال العدوى. فكل إصابة داخل مرفق صحي يمكن أن تفتح سلسلة جديدة من العدوى إذا لم يتم احتواؤها بسرعة.
ورغم هذه المؤشرات المقلقة، ترى منظمة الصحة العالمية وأفريقيا CDC أن مسار الوباء ليس محسوما. فقد نجحت أوغندا في وقف انتقال الفيروس محليا، كما تمكنت بعض المناطق في جمهورية الكونغو الديمقراطية من قطع سلاسل العدوى، ما يثبت أن الاستجابة المنظمة يمكن أن تغير اتجاه التفشي.
ويرتكز هذا النجاح على الكشف المبكر عن الحالات، وعزل المصابين، وتتبع المخالطين، وتعزيز قدرات المختبرات، وضمان الدفن الآمن، إضافة إلى العمل الوثيق مع المجتمعات المحلية.
وتكتسي ثقة السكان أهمية خاصة في مواجهة إيبولا، لأن الخوف أو الشائعات أو التأخر في طلب العلاج قد تسهم في استمرار انتقال الفيروس. ولهذا تشدد الهيئات الصحية على ضرورة إشراك المجتمعات المحلية في الاستجابة بدل الاكتفاء بالإجراءات الطبية وحدها.
ويعتبر مسؤولو الصحة الدوليون أن الوضع الحالي يتطلب مضاعفة قدرات الاستجابة بما يتراوح بين مرتين وثلاث مرات، خصوصا في مجالات المراقبة الوبائية، وتتبع المخالطين، والعلاج، وتأمين الإمدادات الطبية، والوصول إلى المناطق النائية أو غير الآمنة.
وفي المقابل، لا توصي منظمة الصحة العالمية بفرض قيود عامة على السفر أو إغلاق الحدود، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات قد تعطل الحركة الاقتصادية والإنسانية دون أن تشكل بالضرورة وسيلة فعالة لوقف انتقال العدوى.
وبعد نحو مئة يوم من بداية التفشي، تبدو المعركة ضد إيبولا بونديبوغيو مرتبطة أساسا بسرعة التدخل وقدرة السلطات والهيئات الصحية على الوصول إلى كل بؤرة عدوى قبل توسعها.
فالرسالة التي يحملها الموقف المشترك لمسؤولي منظمة الصحة العالمية وأفريقيا CDC واضحة: التفشي هو الأخطر من نوعه حتى الآن، لكنه ليس خارج السيطرة. وكلما تم اكتشاف الحالات مبكرا، وحماية العاملين الصحيين، وتتبع المخالطين، وتعزيز ثقة السكان، ارتفعت فرص قطع سلاسل العدوى ووقف الوباء.
فاطمة الزهراء عاشور