الحصبة تعود بقوة.. تراجع التلقيح يفتح الطريق أمام أحد أكثر الفيروسات عدوى

بعد سنوات من التراجع الذي صنعته حملات التلقيح، تعود الحصبة إلى الواجهة في عدد متزايد من دول العالم. والمفارقة أن هذا المرض شديد العدوى يمكن الوقاية منه بلقاح فعال ومتاح منذ عقود، لكن اتساع فجوات التغطية بالتطعيم يعيد تشكيل الظروف التي تسمح للفيروس بالانتشار من جديد.

لم تعد الحصبة مشكلة محصورة في مناطق فقيرة أو أنظمة صحية هشة. فالتفشيات التي تسجل في مناطق مختلفة من العالم تكشف أن الفيروس يستفيد من أي تراجع، ولو محدود، في المناعة الجماعية، خصوصا عندما تتراكم أعداد الأطفال الذين لم يتلقوا الجرعتين الموصى بهما.

وتشير أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو 11 مليون إصابة بالحصبة خلال عام 2024، بزيادة واضحة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل جائحة كوفيد-19. كما تسبب المرض في نحو 95 ألف وفاة خلال العام نفسه، معظمها بين أطفال دون الخامسة لم يحصلوا على حماية كافية بالتلقيح.

ورغم خطورة هذه الأرقام، فإنها تخفي في المقابل أحد أكبر النجاحات الصحية العالمية. فمنظمة الصحة العالمية تقدر أن التطعيم ضد الحصبة ساهم في تجنب عشرات الملايين من الوفيات منذ مطلع الألفية. غير أن هذه المكاسب ليست نهائية، لأن استمرارها يتطلب الحفاظ على مستويات مرتفعة جدا من التغطية بالتلقيح.

والسبب يعود إلى الطبيعة الاستثنائية لفيروس الحصبة، الذي يعد من أكثر الفيروسات قدرة على الانتقال بين البشر. فعندما يدخل إلى مجموعة سكانية تنخفض فيها المناعة، يمكن أن ينتشر بسرعة كبيرة، ما يجعل حتى الثغرات الصغيرة في برامج التطعيم كافية لإشعال تفشيات واسعة.

وتؤكد أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية واليونيسف أن العالم لا يزال بعيدا عن مستوى الحماية المطلوب. ففي عام 2025، تلقى نحو 84 في المائة من الأطفال الجرعة الأولى من لقاح الحصبة، بينما لم تتجاوز نسبة من حصلوا على الجرعتين 77 في المائة. ويظل ذلك دون عتبة 95 في المائة التي تعتبر ضرورية لمنع انتقال الفيروس على نطاق واسع.

هذه الفجوة تعني أن ملايين الأطفال يدخلون كل عام إلى فئة القابلين للإصابة. وعندما تتراكم هذه الأعداد على مدى سنوات، يصبح ظهور التفشيات مسألة وقت أكثر منه حدثا استثنائيا.

ولا تقف الأسباب عند عامل واحد. ففي عدد من البلدان، تعيق النزاعات والنزوح والفقر وضعف البنية الصحية الوصول المنتظم إلى اللقاحات. وفي بلدان أخرى، تكون الجرعات متوفرة لكن التردد تجاه التطعيم والمعلومات المضللة يؤديان إلى تراجع الإقبال عليها.

كما تركت جائحة كوفيد-19 أثرا واضحا على برامج التلقيح الروتيني، بعدما فاتت ملايين الأطفال جرعات أساسية خلال سنوات الاضطراب الصحي. ورغم حملات الاستدراك الواسعة التي أطلقت لاحقا، لا تزال آثار تلك الفجوة محسوسة في عدة مناطق.

وتبدأ الحصبة عادة بحمى مرتفعة وسعال وسيلان الأنف والتهاب العينين، قبل ظهور طفح جلدي ينتشر تدريجيا في الجسم. لكن النظر إليها باعتبارها مجرد مرض طفولي عابر يقلل من خطورتها، إذ قد تؤدي إلى مضاعفات مثل الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ، وقد تسبب العمى أو الوفاة، خصوصا لدى الأطفال الأكثر هشاشة.

ولا يوجد علاج نوعي يقضي على فيروس الحصبة بعد حدوث العدوى، وهو ما يجعل الوقاية بالتلقيح السلاح الأساسي ضد المرض. وتوصي منظمة الصحة العالمية بجرعتين لضمان حماية أفضل، لأن الجرعة الأولى وحدها لا توفر المناعة الكاملة لدى جميع الأطفال.

عودة الحصبة اليوم لا تعكس فشل اللقاح، بل تكشف ما يحدث عندما تتراجع التغطية به. فالمرض يتحول، في نظر خبراء الصحة العامة، إلى مؤشر حساس على قوة برامج التطعيم نفسها: كلما اتسعت الفجوات، عاد الفيروس بسرعة، وكلما ارتفعت مستويات التغطية، تقلصت قدرته على الانتشار.

وهكذا، فإن القلق من الحصبة في 2026 لا يرتبط بظهور فيروس جديد أو بغياب وسائل الوقاية، بل بحقيقة أبسط وأكثر إزعاجا: مرض كان يمكن منعه بالكامل يجد من جديد ملايين الأشخاص غير المحميين أمامه.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد