حين ترتفع الحرارة… لماذا يزداد الغضب والقلق والاكتئاب؟

قد يعتقد كثيرون أن الشعور بالعصبية خلال الأيام الحارة مجرد رد فعل طبيعي للإرهاق، لكن العلم يكشف أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالحرارة المرتفعة تؤثر مباشرة في الدماغ، وتغير طريقة عمله، مما ينعكس على المزاج والسلوك والقدرة على التفكير، بل وقد يزيد من خطر الإصابة باضطرابات نفسية أو تفاقمها.

ويشرح أطباء الأعصاب أن الدماغ يعمل بكفاءة ضمن نطاق ضيق من درجات الحرارة، وعندما ترتفع حرارة الجسم يبدأ في استهلاك كميات أكبر من الطاقة للحفاظ على توازنه الداخلي. ومع الجفاف وفقدان الأملاح نتيجة التعرق، تتراجع كفاءة الخلايا العصبية، فيشعر الإنسان بالتعب الذهني، وضعف التركيز، وسرعة الغضب، وصعوبة اتخاذ القرارات.

كما تؤدي موجات الحر إلى اضطراب الساعة البيولوجية بسبب صعوبة النوم ليلًا، وهو ما يقلل من إفراز بعض الهرمونات الضرورية لاستعادة النشاط النفسي والعصبي. ويؤدي تراكم قلة النوم إلى زيادة التوتر والقلق، ويجعل الإنسان أكثر حساسية للمواقف اليومية وأكثر عرضة للتقلبات المزاجية.

وتشير تقارير طبية إلى أن المستشفيات تسجل خلال موجات الحر زيادة في مراجعات أقسام الطب النفسي، خاصة من قبل المرضى الذين يعانون من الاكتئاب أو الفصام أو الاضطرابات المزاجية. كما أن كبار السن، والمصابين بالخرف، والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، يُعدون من أكثر الفئات هشاشة أمام هذه الظروف.

ويحذر المختصون من أن بعض الأدوية المستخدمة لعلاج الأمراض النفسية قد تؤثر في آلية تنظيم حرارة الجسم، ما يزيد من احتمال الإصابة بالإجهاد الحراري والجفاف، وهو ما يستدعي متابعة طبية دقيقة خلال فصل الصيف وعدم تعديل الجرعات دون استشارة الطبيب.

ويرى الباحثون أن التأثير النفسي للحرارة لا يقتصر على المرضى، بل يشمل المجتمع بأكمله، إذ تشير دراسات إلى ارتفاع معدلات العنف الأسري والمشاجرات وحوادث الاعتداء خلال الأيام شديدة الحرارة، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين المناخ والسلوك البشري.

ويؤكد الخبراء أن الوقاية تبدأ بإجراءات بسيطة لكنها فعالة، مثل شرب كميات كافية من الماء، والحفاظ على برودة أماكن الإقامة، وتجنب النشاط البدني المكثف في أوقات الذروة، والحصول على قسط كافٍ من النوم، مع عدم التردد في طلب المساعدة الطبية عند ظهور أعراض مثل القلق الشديد، أو الارتباك، أو التهيج غير المعتاد.

وفي ظل التوقعات باستمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال العقود المقبلة، بات واضحًا أن التغير المناخي لم يعد يهدد الصحة الجسدية وحدها، بل أصبح يشكل تحديًا متزايدًا للصحة النفسية، ما يستدعي إدراج هذا البعد ضمن سياسات الصحة العمومية وخطط التأهب لموجات الحر.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد