تقرير دولي: تغير المناخ ضاعف أيام “الحرارة الرطبة” الخطرة على صحة البشر حول العالم

لم يعد ارتفاع درجات الحرارة وحده هو التهديد الأكبر الذي يفرضه تغير المناخ، بل أصبحت الرطوبة المرتفعة شريكًا خفيًا يجعل الحر أكثر خطورة على جسم الإنسان. ففي تحليل علمي جديد نشرته منظمة Climate Central، حذّر الباحثون من أن عدد أيام “الحرارة الرطبة الخطرة” قد تضاعف أكثر من مرتين على مستوى العالم منذ سبعينيات القرن الماضي بسبب الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري، في مؤشر مقلق على تصاعد المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ.

ويكشف التقرير أن متوسط عدد أيام الحرارة الرطبة الخطرة ارتفع من نحو 10 أيام سنويًا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1973 و1982 إلى 23 يومًا سنويًا خلال الفترة 2016-2025. والأخطر من ذلك أن 64% من جميع هذه الأيام المسجلة خلال العقود الخمسة الماضية تُعزى مباشرة إلى تغير المناخ الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة، ما يؤكد أن الظاهرة لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءًا من الواقع المناخي الجديد.

ويعتمد الباحثون على مؤشر علمي يعرف باسم درجة حرارة البصيلة الرطبة (Wet-Bulb Temperature)، وهو مقياس يجمع بين درجة حرارة الهواء والرطوبة النسبية لتقييم قدرة جسم الإنسان على التخلص من الحرارة عبر التعرق. فكلما ارتفعت الرطوبة، تراجع تبخر العرق، وازدادت حرارة الجسم الداخلية، لترتفع مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس، حتى وإن لم تكن درجات الحرارة مرتفعة بصورة قياسية.

وتعتبر الدراسة أن بلوغ درجة حرارة البصيلة الرطبة 25 درجة مئوية أو أكثر يمثل عتبة الخطر الصحي، إذ يصبح الجسم أقل قدرة على تبريد نفسه، خاصة لدى كبار السن، والأطفال، والنساء الحوامل، والعاملين في الهواء الطلق، والأشخاص المصابين بأمراض القلب والرئة والسكري.

وشمل التحليل 961 مدينة موزعة على مختلف قارات العالم، وأظهر أن 69% منها شهدت زيادة ملحوظة في عدد أيام الحرارة الرطبة الخطرة نتيجة تغير المناخ. كما سجلت هذه المدن في المتوسط 46 يومًا إضافيًا سنويًا من هذه الظروف المناخية مقارنة بما كان سيحدث في عالم لم يشهد الاحترار الحالي.

أما عام 2025، فقد سجل مستوى غير مسبوق، إذ بلغ المتوسط العالمي 23 يومًا من الحرارة الرطبة الخطرة، كان 19 يومًا منها، أي ما يعادل 83%، نتيجة مباشرة لتغير المناخ، وهو ما يعكس التأثير المتسارع للاحتباس الحراري على صحة السكان في مختلف أنحاء العالم.

وتظهر البيانات أن المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية تتحمل العبء الأكبر لهذه الظاهرة، إذ تسجل أجزاء واسعة من أمريكا الجنوبية، وغرب إفريقيا، وجنوب شرق آسيا أكثر من 180 يومًا سنويًا من الحرارة الرطبة الخطرة. غير أن التقرير يؤكد أن الظاهرة لم تعد تقتصر على هذه المناطق، بل بدأت تمتد إلى مناطق أخرى كانت تُعرف بمناخها الجاف، بما في ذلك أجزاء من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع تزايد موجات الحر الشديدة عامًا بعد عام.

ويحذر معدو التقرير من أن الاعتماد على درجات الحرارة وحدها لم يعد كافيًا لتقييم المخاطر الصحية، لأن الرطوبة قد تجعل الظروف المناخية أكثر فتكًا مما توحي به قراءة مقياس الحرارة. لذلك يدعو الخبراء إلى إدراج مؤشرات الحرارة الرطبة ضمن أنظمة الإنذار المبكر، وتحديث خطط الاستجابة الصحية، وتوفير مراكز تبريد، وتكييف ساعات العمل والأنشطة الخارجية خلال فترات الحر الشديد، خصوصًا مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا.

وتنسجم هذه النتائج مع التحذيرات المتكررة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، التي تؤكد أن تغير المناخ أصبح أحد أكبر التهديدات الصحية في القرن الحادي والعشرين، وأن موجات الحر، ولا سيما عندما تقترن برطوبة مرتفعة، تؤدي إلى زيادة حالات الجفاف، والإجهاد الحراري، وضربات الشمس، وتفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي، فضلًا عن ارتفاع معدلات الوفيات، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد