الشوفان يعيد رسم خريطة الكوليسترول: بكتيريا الأمعاء في قلب المعادلة

كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Nature Communications أن التأثير المعروف للشوفان في خفض الكوليسترول لا يعود فقط إلى الألياف الغذائية، بل إلى تفاعل أكثر تعقيدًا تقوده بكتيريا الأمعاء، في اكتشاف يعيد فهم العلاقة بين الغذاء وصحة القلب.

الدراسة، التي أُجريت على أشخاص يعانون من متلازمة الأيض، اعتمدت على تجربتين سريريتين عشوائيتين: الأولى قصيرة المدى تعتمد على استهلاك مرتفع للشوفان خلال يومين فقط، والثانية تمتد لستة أسابيع بجرعات معتدلة. والنتيجة كانت لافتة: انخفاض ملحوظ في الكوليسترول الضار (LDL) قد يصل إلى نحو 10% خلال فترة قصيرة جدًا، مع استمرار هذا الأثر حتى بعد أسابيع من التوقف عن النظام الغذائي .

لكن الأهم من النتيجة هو تفسيرها. فقد أظهرت الدراسة أن الشوفان لا يعمل بشكل مباشر فقط، بل يُحفّز بكتيريا الأمعاء على إنتاج مركبات فينولية نشطة، مثل حمض الفيروليك ومشتقاته، وهي مواد تلعب دورًا أساسيًا في خفض مستويات الكوليسترول في الدم . هذه المركبات، الناتجة عن تفكيك مكونات الشوفان داخل الجهاز الهضمي، بدت مرتبطة بشكل عكسي مع مستويات الدهون، ما يشير إلى دور حاسم للميكروبيوم في التأثيرات الصحية للغذاء .

هذا الاكتشاف يغيّر زاوية النظر التقليدية التي كانت تختزل فوائد الشوفان في محتواه من “بيتا-غلوكان”، وهو نوع من الألياف القابلة للذوبان. اليوم، تشير البيانات إلى أن العلاقة بين الغذاء وصحة القلب تمر عبر وسيط حيوي معقّد: البكتيريا المعوية، التي تحوّل الطعام إلى جزيئات ذات تأثيرات استقلابية مباشرة.

كما أظهرت النتائج أن الجرعات العالية قصيرة المدى قد تكون أكثر فعالية من الاستهلاك المعتدل طويل الأمد، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات غذائية علاجية جديدة، خصوصًا لدى المرضى المصابين باضطرابات التمثيل الغذائي .

ورغم هذه النتائج الواعدة، يحذر الباحثون من التسرع في تعميمها، نظرًا لصغر حجم العينة واحتمال وجود اختلافات فردية كبيرة في استجابة الميكروبيوم. ومع ذلك، فإن الدراسة تعزز توجهاً علمياً متصاعداً يرى في التغذية الموجهة — المرتبطة بتركيبة البكتيريا المعوية — أحد مفاتيح الطب الوقائي في المستقبل.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد