ملايين الرضّع خارج التغطية: تلقيح الأطفال عالميًا بين الاستقرار الظاهري والفجوات الصامتة

أطلقت منظمة الصحة العالمية واليونيسف تحذيرًا جديدًا بشأن استمرار فجوة التلقيح لدى الأطفال على مستوى العالم، رغم تسجيل استقرار نسبي في نسبة التغطية خلال عام 2023. فرغم بلوغ نسبة التلقيح ضد الدفتيريا والسعال الديكي والكزاز (DTP3) نحو 84%، لا يزال أكثر من 14.5 مليون رضيع حول العالم محرومين من اللقاحات الأساسية، لم يتلقوا حتى الجرعة الأولى، ويُصنَّفون ضمن فئة “الأطفال صفر التلقيح”، ما يجعلهم عرضة مباشرة لأمراض فتاكة كان من الممكن الوقاية منها بسهولة.

الاستقرار الظاهري في الأرقام يُخفي تفاوتًا صادمًا بين الدول والمناطق. ففي حين تُسجّل بلدان ذات دخل مرتفع نسب تغطية شبه كاملة، يتركّز أكثر من نصف الأطفال غير الملقّحين في عدد محدود من الدول، أبرزها الهند ونيجيريا وإندونيسيا وإثيوبيا. هذا التوزيع غير المتكافئ يعكس تأثير عوامل مثل الفقر، النزاعات، الهشاشة المؤسسية، وضعف البنى التحتية الصحية. ولا تزال تداعيات جائحة كوفيد-19 تلقي بظلالها على أنظمة التلقيح في كثير من البلدان، التي لم تستطع حتى اليوم استعادة وتيرة حملاتها الوقائية السابقة.

في منطقة الشرق الأوسط، تتفاوت نسب التغطية بشكل كبير. بلدان مثل الإمارات، السعودية، قطر، وتركيا تسجّل نسبًا مرتفعة بفضل أنظمة صحية فعالة. في المقابل، تواجه سوريا واليمن والعراق ولبنان والسودان تحديات متراكمة تتعلق بالحروب والانهيار الاقتصادي وغياب الاستقرار. وفي الأراضي الفلسطينية، تعيق القيود السياسية والأمنية الوصول المنتظم إلى اللقاحات رغم الجهود الحثيثة للسلطات الصحية والشركاء الدوليين. أما إيران، فرغم تحقيقها نسب تغطية محترمة، إلا أن العقوبات الاقتصادية تواصل التأثير على استمرارية برامج التلقيح، خاصة في المناطق الريفية والنائية.

شمال إفريقيا بدورها تعيش واقعًا مزدوجًا. الجزائر والمغرب وتونس نجحت إلى حد كبير في الحفاظ على نسب تلقيح جيدة، بفضل التزامها التاريخي بالبرامج الوقائية، إلا أن المناطق الحدودية والداخلية تعاني من تفاوت في الوصول إلى الخدمات. في ليبيا، يُشكل غياب الاستقرار وانقسام المؤسسات تحديًا كبيرًا أمام تنفيذ برامج صحية منسقة. بينما مصر، رغم بنيتها الصحية الواسعة، لا تزال تواجه تفاوتًا في التغطية بين المدن الكبرى والمناطق الريفية والفقيرة.

تؤكد اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية أن مجرد الإعلان عن نسب وطنية عالية لا يعني الوصول الحقيقي إلى كل طفل، بل يخفي في كثير من الأحيان جيوبًا من الأطفال غير المحصّنين. ولهذا دعت المنظمتان إلى تحرّك دولي وإقليمي حازم، يتجاوز الخطط الورقية نحو استثمار عادل وفعّال في البنى الصحية المحلية، وفي آليات التتبع، والتوعية المجتمعية، والتوزيع العادل للقاحات، مع ضمان استدامة التمويل والتنسيق بين الحكومات وشركاء التنمية.

في عالم لا يزال فيه ملايين الأطفال محرومين من أبسط وسائل الوقاية الصحية، لا ينبغي أن يُقاس النجاح الصحي بعدد من وصل إليهم اللقاح فقط، بل بعدد من لا نزال عاجزين عن الوصول إليهم. فهؤلاء هم الأكثر هشاشة، والأكثر حاجة، والأكثر نسيانًا.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد