أزمة المناخ تفتك بالبشر: الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر
في نداء يعكس خطورة المنعطف المناخي الذي يشهده العالم، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن أزمة المناخ لم تعد مجرد تهديد مستقبلي، بل أصبحت أزمة صحية حاضرة، و«قاتلة بالفعل». وفي تقرير جديد صادر بالتعاون مع الأمم المتحدة، شددت المنظمة على أن ارتفاع درجات الحرارة، وتدهور البيئة، وتزايد الكوارث الطبيعية، لم تعد تؤثر فقط على كوكب الأرض، بل باتت تقوّض أسس الصحة العامة في جميع أنحاء العالم، وتهدد حياة الملايين، خصوصاً في البلدان ذات الأنظمة الصحية الهشة.
عام 2024 كان الأكثر سخونة منذ بدء التسجيلات المناخية، وعرفت خلاله مستشفيات العالم، من أوروبا إلى جنوب آسيا، اكتظاظاً غير مسبوق في أقسام الطوارئ، بسبب الإجهاد الحراري ومضاعفاته. لكن التأثيرات لم تقتصر على الحرّ، إذ أدت الفيضانات المتكررة، وحرائق الغابات، والجفاف المزمن، إلى انتشار أمراض منقولة بالمياه والمفصليات، وارتفاع حالات سوء التغذية، خاصة في مناطق النزاع والفقر.
تُظهر البيانات أن نحو 3.6 مليار شخص يعيشون في مناطق معرّضة بشدة لتغير المناخ، ما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض، وفقدان مصادر الغذاء، والنزوح القسري. وتقدّر المنظمة أن التغيرات المناخية قد تؤدي إلى 250 ألف حالة وفاة إضافية سنوياً بين عامي 2030 و2050، نتيجة تزايد الإصابات بالملاريا والإسهال، إضافة إلى تراجع القدرة على التكيّف مع المتغيرات المناخية في الأنظمة الصحية الضعيفة.
وفي ظل هذا الواقع المقلق، دعت منظمة الصحة العالمية إلى إعادة وضع الصحة في صلب السياسات المناخية العالمية، معتبرة أن تقليص الانبعاثات، والتحوّل نحو الطاقة النظيفة، لا يمكن أن يُنظر إليهما فقط كاستجابة بيئية، بل كضرورة صحية عاجلة. كما طالبت الحكومات بتسريع جهود بناء أنظمة صحية مرنة، قادرة على مقاومة الكوارث المناخية، وتوفير وسائل الحماية للكوادر الصحية، والاستثمار في الإنذار المبكر والتكيّف المحلي.
ما تصفه المنظمة ليس مجرد تحذير علمي، بل دعوة إلى تحرك سياسي وأخلاقي، عنوانه الإنصاف المناخي والصحي. ففي عالم يزداد فيه التفاوت، تُترك الفئات الأكثر هشاشة في مواجهة الكارثة دون حماية. وبينما تتراخى بعض الدول في التزاماتها المناخية، تحصد دول أخرى – لم تسهم تاريخياً في الانبعاثات – ثمناً صحياً باهظاً.
الوقت ينفد، والمخاطر تتزايد، لكن الفرصة لا تزال قائمة. فالاستثمار في الصحة المناخية اليوم، لا يعني فقط تقليل الخسائر البشرية مستقبلاً، بل يمثل أيضاً دفاعاً عن الحق الأساسي في الحياة. وإذا كان من دروس قدّمتها الأزمات الصحية الكبرى، فإن أبرزها أن تأخير الاستجابة يُضاعف التكاليف، ويترك جراحاً لا تندمل. منظمة الصحة العالمية رفعت الصوت، والعالم أمام خيارين: إما التحرك، أو التواطؤ مع المأساة القادمة.
فاطمة الزهراء عاشور