السهر لا يمرّ بلا ثمن: دراسة تربط بين نمط النوم الليلي وتراجع القدرات الذهنية

في عالم يزداد فيه التنافس وسرعة الإيقاع، يبدو أن التنازل عن ساعات النوم بات ممارسة مألوفة. لكن دراسة هولندية حديثة، نُشرت نتائجها هذا الشهر، تُوجّه إنذارًا علميًّا واضحًا: الأشخاص الذين يفضّلون السهر ويتأخرون في الخلود إلى النوم – ما يُعرف بـ«النمط المسائي» – قد يكونون أكثر عرضة لتراجع معرفي طويل الأمد، قد يقود في بعض الحالات إلى الخرف.

الدراسة أجراها فريق بحثي من جامعة خرونينغن الهولندية، وشملت أكثر من 23 ألف شخص تم تتبّعهم على مدى عشر سنوات. وخلص الباحثون إلى أن أولئك الذين يصنَّفون ضمن “البوم الليلي” – وهي فئة تشكّل نحو 5٪ من المشاركين – أظهروا معدلات تدهور ذهني أسرع مقارنةً بمن ينامون ويستيقظون باكرًا.

لكن المفاجأة، كما تشير الباحثة الرئيسية آنا وينزلر، ليست في توقيت النوم بحد ذاته، بل في السلوكيات المرتبطة به. فالأشخاص ذوو النمط المسائي غالبًا ما يتّبعون أنماطًا حياتية أقل صحّة: تدخين، استهلاك للكحول، قلة النشاط البدني، وتغذية غير متوازنة. هذه العوامل، بحسب الدراسة، تفسّر قرابة ربع الخطر الإضافي المرتبط بالتراجع المعرفي.

اللافت أيضًا أن التأثير بدا أكثر وضوحًا بين ذوي المستويات التعليمية الأعلى. إذ غالبًا ما يضطر هؤلاء إلى التكيّف مع جداول عمل صباحية، متناسين احتياجاتهم البيولوجية، ما يؤدي إلى حرمان مزمن من النوم وتراكم الإجهاد الذهني.

لكن الدراسة لا تدعو إلى القدرية أو القلق المفرط. فعلى الرغم من أن تعديل الساعة البيولوجية أمر معقد، إلا أن تبني نمط حياة صحي – يوازن بين متطلبات الجسم وإيقاع الحياة الاجتماعية – قد يكون كفيلًا بتقليل المخاطر. فقرابة 75٪ من عوامل التراجع المعرفي لدى من يسهرون لا تتصل مباشرة بعاداتهم السيئة، بل تظل قابلة للتعديل عبر تدخلات سلوكية واعية.

الرسالة النهائية التي تحملها هذه الدراسة ليست لوم من يسهرون، بل تذكير بأن العقل، مثل الجسد، يحتاج إلى صيانة دورية. والنوم ليس رفاهًا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة بيولوجية تؤسس لمستقبل ذهني سليم. فالحفاظ على القدرات المعرفية لا يبدأ في الشيخوخة، بل يُبنى، ساعةً بعد أخرى، في تفاصيل الحياة اليومية.

فاطمة الزهراء عاشور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد